تمتاز المرأة على الرجل بغلبة العاطفة عليها. وهذه العاطفة ناشئة من جهة إكمال نقص العقل عندها بزيادة العاطفة، ومن طبيعة خلق المرأة من ضلع أعوج، أي: معطوف.
فلو كانت المرأة كاملة العقل مثل الرجل، لعالجت الأمور بطريقة عقلية مثلما يعالجها الرجل؛ ولو كان الأمر كذلك، لهلك الأطفال ولهلك الرجل.
فالزوج بحاجة إلى حنان الزوجة ورعايتها مهما عظم مركزه أو كثر ماله، وهو في حاجة دوماً إلى هذه الزوجة التي يبثها أشجانه ويشركها في حديث النفس، فتواسيه وتشجعه على الخير، وتحذره من الشر، وتثير فيه معاني الصمود والنخوة والأريحية والكرم والرجولة والشهامة والصمود والمنافسة، وتنزع من نفسه كل ميل إلى اليأس والقنوط أو الانهزام والضعف.
وهذا لا يكون إلا بغلبة العاطفة عليها. والطفل بحاجة إلى الرعاية العاطفية أكثر منه إلى الرعاية العقلية، وخاصة، في أول سنين حياته، فمن الطبيعي أن يكون للمرأة تكوين عاطفي خاص لا يشبه تكوين الرجل؛ لأن ملازمة الطفل الوليد لا تنتهي بمناولته الثدي وإرضاعه.
ولا بد معها من تعهد دائم ومجاوبة شعورية تستدعي شيئًا كثيراً من التناسب بين مزاجها ومزاجه، وبين فهمها وفهمه ومدارج حسه وعطفه، وهذه حالة من حالات الأنوثة شوهدت كثيرًا في أطوار حياتها، من صباها الباكر إلى شيخوختها العالية، فلا تخلو من مشابهة للطفل من الرضى والغضب، وفي التدليل والمجافاة، وفي حب الولاية والحدب ممن يعاملها، ولو كان في مثل سنها أو سن أبنائها.
وليس هذا الخلق مما تصنعه المرأة أو تتركه باختيارها، إذ كانت حضانة الأطفال تتمة للرضاع تقترن فيها أدواته النفسية بأدواته الجسدية ولا تنفصل إحداهما عن الأخرى.
ولا شك أن الخلائق الضرورية للحضانة وتعهد الأطفال الصغار أصل من أصول اللين الأنثوي الذي جعل المرأة سريعة الانقياد للحس والاستجابة للعاطفة.
ويصعب عليها ما يسهل على الرجل من تحكيم العقل وتقليب الرأي وصلابة العزيمة، فهما -ولا شك- مختلفان في هذا المزاج اختلافًا لا سبيل إلى المماراة فيه.
ومن قوة العاطفة عندها، أنها تتأثر بأي نقد يمس ذاتها، وغالباً، ما يلجئها إلى البكاء، ومثاله ما وقع لصفية عندما بلغها أن حفصة تكلمت عنها وقالت عنها أنها ابنة يهودي، بكت، وهي إنما بلغها هذا التعيير عن حفصة ولم تسمعه مباشرة، فكيف لو كانت حاضرة الموقف، أو كان بحضرة جمع من الناس؟ لكان ذلك أشد تأثيراً على نفسها؛
قال أَنس -رضي الله عنه-: (بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ بِنْتُ يَهُودِيِّ، فَبَكَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» فَقَالَتْ: قَالَتْ لي حَفْصَةُ إِنِّي بِنْتُ يَهُودِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِي وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِي وإِنَّكَ لَتَحتَ نَبِي، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ!»، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ».