إن للإنسان أحوالًا وغرائب، لا تكون لغيره من المخلوقات، فتراه مع ما به من ضعف يعتريه ويجعله بحاجة إلى لطف وتوفيق وكرم مولاه وخالقه، إلا أنه يتبدل بتبدل الزمان، ويتغير بتغير الحال؛ لاهثًا خلف حاجاته ومصالحه، ولو كانت تتعارض مع دينه ومعتقداته وشرع ربه، ولو على حساب عقيدته التي يقوم عليها صلاح آخرته، فبها يدخل الجنة، وبها ينال الشفاعة، وبها يَرِد على الحوض، وبها يخلد في النعيم.
فهناك قاعدة عامة تكشف حقيقة النفس البشرية الضعيفة الأمارة بالسوء، في أحوال الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد الضرَّاء، واليُسر بعد العسر.
وقد أشار الله عز وجل إليها بقوله في سورة يونس فقال تعالى:
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس - ٢١].
ثم ذَكَرَ حالةً تؤيِّد ذلك، فقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس - ٢٣،٢٢].
فهذا الإنسان يعرف ربه حق المعرفة وقت الشدة وضيق الحال واستحالة الأمور وتكالب الدنيا، فيدعو بقلب مخلص، محققًا العبودية، متجردًا من كل قوّته إلى قوة الله -عز وجل-، ومن حوله إلى حول الله عز وجل، فيسير بلطف الله وستره وعونه، فيكون عنده من الثقة واليقين ما يجاهد به كل طاغية وغاصب ومعتد وظالم.
ثم أبصِرْ هذا الإنسان -نفسه- بعد الكرب، وقد زانت له الدنيا، وفُتحَت عليه الأرزاق، ونزلت به الخيرات، واطمأن إلى الدنيا بزخرفها وبهرجها وفتنها، ونسي ما كان به من عُسر وكرب، واستطار بقوته وعلا بجبروته، وما عاد يُبصِر من أمره رشدًا.
فيتجبر ويظلم ويعتدي ويبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ويدخل في مداخل مهلكة بموالاة كافر، وإعانة ظالم، ومشاركة في إسالة دماء بريئة، وتثبيت أركان محارب لدينه وشرعه.
فيا حسرتاه على نقض الغزل، وهوان الدين في القلوب، ويا للنفوس التي ذلّت وركنت للدنيا الفانية، ويا لفوات الأجور بالانتكاس وجريان سنة الاستبدال!