الحرية، وتحقيق الذات المزعوم

|

الحرية؛ عن أي حُريّة تتحدث المُتشبّثات بالعمل، وإحداهنَ تعمل قُرابة العشر ساعات يوميًا بلا رحمة! تخرج باكرًا، وتُحرَم من لذة الفراش الوفير؛ لأن رب العمل سيوبّخها إن تأخرت!

تمرض إحداهنَ، وتمرّ بظروف صعبة، لكنّ ذلك ليس مُبررًا للتغيُّب عن العمل؛ فاستمرار العمل والإنتاج أهم من صحةِ هذه العاملة البائسة!

تضطرُّ أن تشتري أغلى الملابِس وأحدثها؛ لمواكبةِ الزميلات المُنافِسات في العمل، وتُجبر على وضع الأصباغ والمُستحضرات على وجهها طول فترة العمل، ولتكتمل طلّتها تنتعلُ ذاك الكعب العالي لساعاتٍ طوال، ولا ضير في ذلك، المهم أن تحظى بإعجابِ الزملاء والمُراجعين، وأرباب العمل!

ثم إنها لن تغادر إلا بعد أن تستنزف كل قِواها الجسدية والنفسية داخل مؤسسة العمل، لتعود منهكة لدارها، كما تركته صباحًا، خاويًا بلا حياة، وقد فقد أهم ما فيه، فقد الأم، ركن البيت وعموده، غابت عنه ملكته لتصبح جارية في مكان آخر. ذلك الدار الذي يئنُ طويلًا على تشوّه حال أسرة كاملة لا تعرف أُمًا من أَبٍّ؛ فكلاهما يجري خارجًا، تشاركا وظيفة الأب والمعيل، وتُرِكَت وظيفة الأم، أفلم يعقِلوا أنّها السكن، وإذا سكنت سكن الدار!

ويا للعجب منها، كيف تصارع فطرتها التي تُطالبها بالسكن والقرار، فتجُرّها جرًا إلى الخروج وتحقيق الذات، ويكأنها تنحرها بجعلها تحمل همومًا فوق همومها وأثقالاً لا تُطيقُها، وتدخلها في صراعات هي الخاسر الوحيد في نزالها!

ثم ويكأني أراها بعد أن غزى الشيب رأسها، وخارت القوى، وذهب الشباب، وولّت المفاتن، فأضحت غير مرغوبة في أعمالٍ ووظائف تقوم على عرض لحوم النساء، واستجلاب العملاء بالبضاعة الرخيصة المعروضة، تتفكر في أمرها، فلا تُبصر سوى عجوزًا نادِدة متحسّرة على سنوات مضت هباءًا، وعمر ضائع في نزالٍ هي الخاسر الأول فيه.

بالله أجيبوني، هل هذهِ حُريّة، أم هي استعباد بعينه؟!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة