التعزية بين السُّنّة والغفلة

|

بِسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم، والصّلاةُ والسّلامُ على رسولِ الله -ﷺ-، أمّا بعد.

فهذا خطابٌ بسيط أوجّهه لنفسي أوّلًا، ثمّ لشبابِ أمّتنا.

لماذا نهرعُ دومًا، عند أوّل خبرٍ عن الموت نسمعه، إلى النَّعي بالأناشيد والموسيقى، ونعبّر عن أحزاننا وأوجاعنا بها؟

إنّ ما نراه اليوم ثقيلٌ، وثقيلٌ جدًّا على القلوب.

نغفل عن ذكر اسم ربّنا عند المُصاب، وعن أخبار الموت، بل ربّما نقول: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون»
وقلوبُنا غافلةٌ عن معانيها، لا نقولها إلّا لنُسابق إلى التعزية، ونغفل عن السُّنّة النبويّة.

نعم، الشهادةُ في سبيل الله بطولةٌ ورفعة، لكنّ الموتَ لنا نحن الأحياء موعظةٌ ومحاسبة، لا موضعَ لهوٍ ولا غفلة.

كان السّلفُ يحفرون لأنفسهم القبور، ويتّعظون بكلّ من يُوضَع فيها ويُغلَق عليه.

إن لم نراجع أنفسنا -أيّها الشّباب- ونعِد ضبط بوصلتنا، ونستشعر معاني الموت والانتقال من دارٍ إلى دار، فماذا نفعنا خبرُ: فلان مات، وفلان استُشهِد، وفلان رحل؟

لأنّك مسلمٌ مؤمنٌ بالله، فمع كلّ خبر نعيٍ عليك أن تعود إلى نفسك، تراجعها وتؤدّبها، وتُقَلِّب صفحاتٍ مضت في حياتك، تطويها وتبدأ بغيرها.

تنظر بعدسةٍ مكبّرة إلى همّتك ومهمّتك، وإلى تلك البوصلة الّتي فقدها كثيرٌ من الشّباب، وما زال فيك أملٌ حاضر؛ فطوّره.

كان النبي -ﷺ- يعزّي أصحابه بهذه الألفاظ العظيمة ذات المعنى الّذي يحمل المصاب على الصبر:
فيقول ﷺ: “إنّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ شيءٍ عنده بأجلٍ مسمّى”.

فأين غيّبتنا الأيّام الّتي ازدحم فيها الكلام، ونسينا معها تلك الكلمات الّتي تربط على قلب أرقّ وأصغر طفلٍ فينا وبيننا؟

قد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتعلّمون هذا من رسول الله -ﷺ-، المعلّم الأوّل، فكانوا طلّابًا وشبابًا ورجالًا وقادةً أفذاذًا، تصبّرهم تلك الكلمات وكلامُ ربّنا عزّ وجلّ، ولا يجعلون للشِّعر ولا للّهو ولا للأناشيد مكانًا عند المصائب.

أنت اليوم صاحبُ همّةٍ وهمّ، وأثرٍ ورباط، فإن غابت عنك هذه الفكرة وهذا النهج، فبماذا ستمضي؟

أبكلماتٍ تُطمئن قلبك لدقائق ثمّ تختفي، أم بآياتٍ تُثبّت قلبك وتغرس فيه إيمانًا قويًّا لا يلين ولا يسقط عند أوّل خبر موت أو صدمة؟

بل تقول كما قال الله تعالى:﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

فأين أنت -أيّها المسلم- من هذه المعاني؟

إن حزنتَ على أحد؛ فعزِّه، وعزِّ نفسك بكلام الله، ثم انهض حاملًا في قلبك وجوارحك نيّة الإصلاح، ولا تُخرّب قلبك، ولا تجعله ساحةً للغفلة، تغذّيه بأنشودةٍ وتبخل عليه بكلام ربّك.

ولهذا ينشأ اليوم جيلٌ لا يفقه من القرآن إلا القليل، ويكون إعداده الإيماني ضعيفًا؛ فلا تكونوا قدوةً بلا منهجٍ واضح. والله المُستعان.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة