رأسٌ في الجاهلية، وذيلٌ في الإسلام؟

|

عرفته بالأمس القريب شعلة من الحماس، صاحبُ أثرٍ وجمهور، تحيط به الأنظار وتُصغي له الآذان، مؤثِّرٌ أينما حلّ وحيثما وُجد، غير أنّه كان يا للأسف في طريق الضلال.
ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة والإنابة، ففرحنا له، وحمدنا الله أن أخرجه من الظلمات إلى النور، غير أنّه ويا للعجب ما إن ذاق طعم الهداية حتى أوصد على نفسه باب داره، ولزم محرابه، واعتزل الناس، فرارًا من الفتن، وانزوى في ركنٍ قصيّ، ولسان حاله يقول: «اعتزلتُ الناس فلا خيرٌ مني يُرجى، ولا شرَّ يُتقى.»

بالله عليك! أتعنيها حقًّا؟ أتعتزل الناس بعد أن هداك الله؟ وشبابُ الأمة لمن؟ ومن للحائرين، للتائهين في غياهب الظلمات؟ من للدعوة إلى الله؟
تحذف مواقع التواصل بذريعة الخوف من الوقوع في الحرام، وكأن الله لم يقل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ اْلْحَسَنَةِ} [سُورَةُ النَّحْلِ: ١٢٥]

أين المجاهدة؟ أين الصبر على تزكية النفس مع مخالطة الناس؟ ألم يقل سبحانه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [سُورَةُ الحَجِّ: ٧٨]

إن اعتزلتَ أنت، واعتزلتُ أنا، واعتزل غيرُنا، فمن يبقى؟ من يسدّ هذه الثغور؟ أما تعلم أن المكان الذي تركته سيملؤه غيرك؟ وسيجتهد فيه أشدَّ الاجتهاد، ولكن في سبيل ماذا؟ في سبيل نشر غيِّه، ونفث سمومه، وباطله الذي لا يفتأ يبثّه ليلًا ونهارًا، هنا وهناك.
أهكذا كان حال الصحابة رضوان الله عليهم؟ هل اعتزلوا الناس حين أسلموا؟ أم زاحموا الباطل وهم قلّة، وصبروا وصابروا ضد الكفار الذين انكسر كبرياؤهم أمام هذه الثلّة الصابرة، وتحطّم جبروتهم في وجه شجاعة وقوة إيمان تلك الفئة، وقد عزّ عليهم أن يُسفَّه دينهم من قبل شرذمةٍ قليلةٍ فقيرةٍ في عيونهم؟ عظيمةٍ في عين الله، ومع ذلك ثبتوا، وصبروا، وبلّغوا، حتى قال الله عزّ وجل فيهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١١٠]
تحمّلوا الجراح، فخرج هذا الدين أبيضَ ناصعًا من بين فرثِ الجاهلية، ودماء المسلمين، ورضعنا من نهله نورَ اليقين الخالص، حتى اشتدّت سواعدُنا وقويت عزائمُنا ثم ماذا؟ وهن العزم، ورضينا بالخَوَر، واخترنا العزلة، فتنصّلنا من الفعل، وقلنا بلسان الحال: لا لنا ولا علينا.
وتركنا الساحات، فدخلها أهل الباطل، ينشرون معتقداتهم، ويشكّكون في ديننا، ويعيثون في الأرض فسادًا! ألم يقل اللّٰه سبحانه وتعالى:
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سُورَةُ فُصِّلَتْ: ٣٣]

أين نحنُ من: «بلّغوا عني ولو آية» (رواه البخاري)
وماذا عن: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (متفق عليه)
فماذا سنقول للتاريخ؟ وماذا سنقول للأجيال من بعدنا؟ بل، ماذا سنقول لله إذا وقفنا بين يديه؟
أكُنّا رأسًا في الجاهلية، فلما أكرمنا الله بالإسلام رضينا أن نكون ذيلًا؟
تعسًا لنا –ولا بارك الله فينا– إن لم ننهض، وإن لم نُرجِع لهذه الأمة شيئًا من مجدها، وإن لم نتحمّل أمانة هذا الدين وهذه الرسالة كما تحمّلها من قبلنا.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة