سوأةٌ يجب مواراتها

|

قلّب بصرك يَمنة ويَسرة، في جميع جنبات المعمورة، على امتداد قرن من الزمان أو يزيد؛ ستجد دماء المسلمين أنهارًا، وأسراهم بالآلاف، وأعراضهم وأموالهم مستباحة. لن تجد مكانًا على وجه البسيطة يخلو من مظالم للمسلمين.

أزمان غابرة عصيبة هذه التي نحياها، شديدة الوطأة على المسلمين. لا أقول هذا نياحة وعويلًا، لكن كتذكير وتقديم.

ففي ظل هذه المآسي والكوارث، نجد فريقًا عريضًا من المسلمين يملأ الدنيا ضجيجًا من أجل كرة القدم. فما أكاد أفتح أحد التطبيقات حتى أجد سيلًا جارفًا من المنشورات التي تحلل وتنقد وتشجع وتشمت وتسب وتلعن؛ لا لأجل شيء إلا لأجل تلك الجلدة المنفوخة التي أصبحت هوسًا بلا طائل ولا فائدة تذكر، إلا على أربابها.

لم يعد الأمر يقف فقط على مجرد تضييع الأوقات والأعمار والصحة والأموال لمتابعتها؛ بل تعدى الضرر إلى حصد الذنوب والمعاصي والكبائر، فالسب والشتم واللعن والقذف سمة كثير من مشجعي الكرة. ثم القطيعة والوقيعة والكره والنفور والعداوة والبغضاء أصبحت من النتائج المطّردة لتلك اللعبة الذميمة.

انتبه أن الله عز وجل جعل من أسباب تحريم الخمر العداوةَ والبغضاء، ثم انظر في حال مشجعي الكرة وما يحدثوه من عداوة وبغضاء بين المسلمين!

قل لي أو قل لنفسك صادقًا: ماذا قدمت كرةُ القدم لبلادنا على مدار عقود؟ ماذا قدمت لك أنت شخصيًّا على المستوى الفردي؟ ماذا قدمت للمجتمع والأمة؟

اصدُق مع نفسك وقل لي أو لها (لنفسك) ماذا أفسدت كرة القدم؟ وماذا ضيعت؟ وكيف الحال لو أننا أنفقنا هذه المليارات التي تنفق عليها على الصحة والزراعة والصناعة والتعليم؟

من المستفيد الحقيقي من كرة القدم؟ ومن المسلوب والمنهوب عقلًا وروحًا ووعيًا؟ من المُتَلاعَب به وبوقته؟ ومن المُستنزَف نفسيًّا؟

إن خِلت أنها مجرد تسلية ومصدر للمرح؛ فقد خادعت نفسك، ويا للحسرة على إنسان ناضج واعٍ يُخادع نفسه قبل أن يخدعه غيره، لو حسبت مقدار السعادة التي تجنيها من متابعتها لوجدتها لحظات مقابل أوقات مديدة من الحزن والحسرات.

لن أحدثك عن كيفية السيطرة على الشعوب والعقول عن طريق كرة القدم، ولن أحدثك عن قضايا جوهرية تخصنا نحن المسلمين متعلقة بكرة القدم، مثل الأندلس المسلوبة التي تشجع أنت محتليها وهم يرفعون الصليب شعارًا! لن أقول لك إن كرة القدم جزء من نظام عالمي يحتكر السياسة والاقتصاد وإنك مجرد وقود محترق لأجله.

سأقول لك فقط: متى تعزز نفسك كإنسان ناضج واعٍ و تترك هذا العبث معلنًا أنك تستطيع جعله لا شيء؟ فهو فعلًا بدونك لا شيء، لا شيء إطلاقًا.

كتبت فقط -في الأصل- لأخبرك أن متابعة كرة القدم -في زماننا هذا خاصة- سوأة، إن كنت ولا بد فاعلها فيجب عليك مواراتها.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة