إن الغيب من اختصاص الله سبحانه وتعالى، استأثر به وتفرد بعلمه، وحجب أسراره عن الخلائق سوى قدر يسير، أطلعه بعضًا من خلقه، وهذا ما تقرره الكثير من الآيات كمثل قوله تعالى:
﴿...لَهُۥ غَیۡبُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ...﴾ [الكهف ٢٦]وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَیۡبُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ...﴾ [هود ١٢٣]وقوله تعالى:﴿قُل لَّا یَعۡلَمُ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَیۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ...﴾ [النمل ٦٥] وقوله تعالى: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَۚ...﴾ [الأنعام ٥٩].
قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدً} [ الجن: 26-27 ].

وتؤكد الآيات القرآنية انتفاء علم الخلائق للغيب بصورة حاسمة لا مجال فيها للتأويل، فالأنبياء -عليهم السلام- لا يعلمون الغيب وينفون ذلك عن أنفسهم بصريح العبارة:
﴿۞ یَوۡمَ یَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَیَقُولُ مَاذَاۤ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَا عِلۡمَ لَنَاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُیُوبِ﴾ [المائدة ١٠٩].
وتقرير هذه العقيدة جاء على ألسنة الأنبياء والمرسلين بدءً بنوح -عليه السلام- القائل:
﴿وَلَاۤ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِی خَزَاۤىِٕنُ ٱللَّهِ وَلَاۤ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ...﴾ [هود ٣١].
وانتهاءً بمحمد ﷺ الذي خاطب البشرية قائلا: ﴿قُل لَّاۤ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِی خَزَاۤىِٕنُ ٱللَّهِ وَلَاۤ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ…﴾ [الأنعام ٥٠] وفي سورة الأعراف: ﴿…وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَیۡرِ وَمَا مَسَّنِیَ ٱلسُّوۤءُۚ…﴾ [الأعراف ١٨٨].
وجريان الأمور وتغير الأحداث مرتبط بالقدرة الإلـٰهية، والمشيئة النافذة على جميع الخلق: ﴿وَرَبُّكَ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُ وَیَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُۚ سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨].
وتقاربت أقوال العلماء في تعريف مصطلح (التنجيم) وبيان المقصود من علم النجوم، فقال الإمام الخطّابي -رحمه الله-: “هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع، وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، وباجتماعها واقترانها، ويدَّعون لها تأثيراً في السفليات وأنها تتصرف على أحكامها وتجري على قضايا موجبها”.
وعرّف شيخ الإسلام ابن تيمية التنجيم بقوله: “الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون”.
ويتّضح مما سبق: أن علم النجوم قائم على ادّعاء معرفة الأمور الغيبيّة، سواء ما كان في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، كما أنّه يحاول أن يربط بين حركة النجوم والأفلاك، وبين بعض الأحداث التي تجري على الأرض ارتباط الأثر بالمؤثّر.
وبين الكهانة والتنجيم علاقة عموم وخصوص؛ فالكاهن هو اسم عامّ لكل من يدّعي الاطلاع على الغيب ومعرفة المستقبل من الحوادث والأمور، ويدخل في ذلك صورٌ كثيرة، منها التنجيم القائم على التماس الغيب من خلال مطالعة حركة الأجرام وادّعاء تأثيرها.
جاء في الموسوعة الفقهية: “أجمع الفقهاء على أن التكهن والكهانة بمعنى ادعاء علم الغيب والاكتساب به؛ حرام”.
وقالوا: “الكاهن يكفر بادعائه علم الغيب؛ لأنه يتعارض مع نص القرآن، قال تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدً} [ الجن: 26-27 ]
أي: عالم الغيب هو الله وحده فلا يُطلع عليه أحدًا من خلقه إلا من ارتضاه للرسالة، فإنه يُطلعه على ما يشاء في غيبه، وعن النبي ﷺ قال:”من أتى كاهنًا أو عرّافًا، فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد”.
فالكاهن: هو من يدّعي الغيب، ويتعاطى الأخبار عن المستقبل، ويدّعي معرفة الأسرار، وأما العرّاف فيتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما.
والراجح من أقوال أهل العلم أن العرافة والكهانة وادعاء علم الغيب؛ تُخرِج صاحبها من ملة الإسلام! وتقرر ذلك من الحديث السابق أيضًا.
فإذا كان الذي يأتي الكاهن ويصدقه كافراً بالإسلام، فكيف بمن يتعاطاها ويدّعيها؟! وادعاء الكهانة والعرافة يتنافى مع اختصاص الله بعلم الغيب، ولا خلاف بين المسلمين أن من اعتقد في شخص أنه يعلم الغيب أو ادعى هو علم الغيب، فإن ذلك كفر مخرج من الملة.
فعن النَّبيِّ ﷺ قال: “من اقتبس عِلمًا من النُّجومِ، اقتبس شُعبةً من السِّحْرِ، زاد ما زاد”.قال ابنُ تيميَّةَ:”صرَّح رَسولُ اللهِ ﷺ بأنَّ عِلمَ النُّجومِ مِن السِّحْرِ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: 69]، وهكذا الواقِعُ؛ فإنَّ الاستقراءَ يدُلُّ على أنَّ أهلَ النُّجومِ لا يُفلِحون، لا في الدُّنيا، ولا في الآخِرةِ”.