السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشعر بضيق بسبب أني لست جميلة، وكلما جاءت امرأة تخطبني لولدها؛ ترفض بسبب الشكل، وأسمع كلامهن أمام وجهي وأنجرح.
كما أنّ جميع أهلي فائقي الجمال إلا أنا.. أتمنّى أجد حلا يناسبني كي أتخطى موضوع أنّ الجمال مهم.
عندي فكرة بأن أعمل عملية تجميل وصديقتي شجعتني، لكن عائلتي ترفض رغم أني مقتدرة.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حيّاكِ الله أخيتي
قسّم الله سبحانه الأرزاق بين عباده وما كان العادل جلّ في علاه ليظلم أحدا، فمنّا من فُتح له في الرزق، ومنّا من فُتح له في الجمال، ومنّا من فُتح له في العقل، ومنّا في الذريّة، وآخرون في قوّة الشخصية…
لعلّ أعظم ما يريح قلبك ويدفعك لترك التركيز على الزوائل، معرفة مقياس منازل العباد في نظر ربّ العباد، فما لنا بعد الله سبحانه من مَطلب؟ ومَن غير محبّته وقبوله نرغب؟
عَنْ أبي هُريْرة رضي الله عنه: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ” رواه مسلم.
فالمقياس عند الله؛ والتفاضل عنده سبحانه، يكون بصلاح القلوب وصلاح الأعمال، فمن كان لله أتقى؛ فهو منه أقرب سبحانه وأعظم منزلة. فإذا فهمت هذا ووعيت فناء هذه الدنيا، هوّن ذلك على قلبك ما تشعرين به من الحزن والانكسار، ودفعك لترك اليأس والشعور بالإحباط؛ ثم إلى العزم على الرّشد والتركيز على ما هو نافع، مشغلة نفسك بالتقرّب إلى مولاك، وتحصيل أعلى المنازل بقربه سبحانه، ضاربة لك بسهم بل وبسهام؛ في سباق المتسابقين لرضوانه جلّ في علاه.
واعلمي أنّ جمال المرأة لا ينحصر بشكلها الخارجي، فكم من امرأة لا تعتبر في “المقاييس الجاهلية” جميلة، ولكنّها بأنوثتها وباهتمامها بنفسها، فاقت أجمل الجميلات.
فاحرصي على الإتيان بكلّ ما يزيد من ثقتك بنفسك، ويوصلك بأنوثتك، وتشعرين بعد القيام به بالرّضا والسّعادة (طالما هو في حدود المباح)، كالعناية بنظافة الجسد والاهتمام بنعومة ملمسه، وبوضع ماسكات طبيعية للشعر والبشرة، والانتباه لحسن الملبس..
واسعي لتطوير نفسك وتثقيفها، بالعلم النّافع وقراءة الكتب، وسماع المحاضرات القيّمة؛ فإنّ ذلك ممّا يجعلك تشعرين بالرّضى عن نفسك وبالإنجاز.
ولا يزعجك ما سأقول، فما لي من مصلحة فيه إلا أنّي أحبّ لك الخير والسّعادة؛ أخرجي من التفكير بالمظلوميّة وأنّك الضحية، ولا تبدي لأحد ضعفًا أو انكسارًا لما يقول، بل اظهري لهم بثقة وقوّة، وضعي حدودا واضحة لا يتعدّونها؛ فلا تسمحي لأحد أن يوجّه لك كلاما سيئا، ثم تسكتي وتجلسي حزينة على نفسك (أنا لا أدعوك هنا لمقابلة السيئة بالسيئة ولا بالردود الجارحة، بل ادفعي بالتي هي أحسن واعفي واصفحي، ولكن لا يكون ذلك عن ضعف) فردّي بأجوبة ذكية مُسكتة تبيّن أنّ كلامهم لا يهزّك. ولست ملزمة بالمواجهة إن لم تحبّذي ذلك، ولكن ما أشدّ عليك به هو؛ أن لا تسمحي لكلماتهم تضعفك، وتقلّل من نظرتك لنفسك.
فالثّقة جذّابة جدا في الأشخاص، وطريقة حملك لنفسك، وطريقة كلامك كلّها تشكّل فارقًا كبيرا في تعاملك مع النّاس ونظرتهم إليك، فاهتمّي بها.
وتيقّني من أنّ الزّواج رزق! فكم من جميلة فائقة الجمال؛ بلغها من العمر ما بلغ ولم تتزوّج بعد، أو أنّها تزوّجت ولكنّها ليست سعيدة، وكم من امرأة “لا تعتبر جميلة”، ولكنّها رزقت بزوج صالح مُحبّ تتمنّاه الكثيرات.. فلا تحبطي ولا تيأسي من روح الله، بل ادعي وأحسني الظنّ به سبحانه، سائلة إيّاه بمن تقرّ له عيناك وتكونين له سكنا وسندًا.
ولا أجمل من امرأة هيّنة ليّنة، بشوشة الوجه، حسنة الأخلاق، هادئة الطّباع حيِيَّة، بارّة بوالديها، مُحسنة لمن حولها، مطيعة لزوجها؛ عروبًا. فقد جاء في وصف نعيم أهل الجنّة؛ أن نساءها (عربا أترابا)، والعروب: هي العاشقة لزوجِها، المطيعة له، المتحبِّبة إليه، الضحَّاكة، الطَّيبة النَّفس، فهذه هي التي تسلب عقل زوجها وتأخذ بتلابيب قلبه، فتأمّلي!
ثمّ إنّكِ تتخطّين فكرة أنّ الجمال مهم عندما تعلمين أنّه لن يبقى، تتخطّين؛ عندما تنظرين للمجتمع حولك وترين من هنّ أقلّ جمالا قد تزوجنّ وهنّ سعيدات، تتخطّين؛ عندما تعيدين توجيه تركيزك لما هو أهمّ ولما خُلقنا فعلا لأجله.
وأيا طيّبة هل تستعينين بجلب الرزق على معصية الرازق؟ العمليات التجميلية محرمة -إن لم تكن لحاجة طبيّة- وهي من الاعتراض على خلق الله، ألم تقرئي قول إبليس:
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُم وَلَأُمَنِّيَنَّهُم وَلَآمُرَنَّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأَنعامِ وَلَآمُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيطانَ وَلِيًّا مِن دونِ اللَّهِ فَقَد خَسِرَ خُسرانًا مُبينًا﴾ [النساء: ١١٩]
﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾: وهذا يتناول [تغيير] الخِلقة الظاهرة بالوشم والوَشْر والنَّمْص والتفلُّج للحسن، ونحو ذلك مما أغواهم به الشيطان، فغيَّروا خِلقة الرحمن، وذلك يتضمَّن التسخُّط من خلقتِهِ، والقدح في حكمتِهِ واعتقاد أنَّ ما يصنعونَه بأيديهم أحسنَ من خلقة الرحمن، وعدم الرِّضا بتقديرِهِ وتدبيرِهِ [تفسير السعدي].
ولنكن صادقين؛ إن لم تعملي على تحصيل الرضا من داخلك، وتتركي إيقاف سعادتك وطمأنينتك على أسباب ما لك فيها من سلطان، فلو فعلت مئة عملية تجميلية لن ترضي ولن تستكفي، فالرضا الحقيقي؛ هو الذي يكون نابعًا من القلب امتنانا لله سبحانه وتعالى؛ على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، بغض النظر عن الحوادث والنازلات.
اعملي على تطوير نفسك وتحسينها بما أباح الله لك، من العناية الخارجية بالشكل، ومن الداخلية بالتخلّق بالأخلاق الحسنة الموجبة لمحبّة الخالق قبل خلقه، طوّري من نفسك، تميّزي بمواهبك وبما حباك الله من نعم، انشئي لنفسك مملكة تتألقين فيها وتبهج فيها روحك، واشغلي نفسك بما ينفع ويفيد؛ كتعلم العلوم النافعة والطبخ والحياكة و ممارسة هواية وغيرها،
كل هذا يزيد من شعورك بالرضا تجاه نفسك ويجعلك تنظرين إليها بإنصاف، فأنت أكثر بكثير من مجرد القشرة الخارجية!
كما وأنصحك بقراءة هذا المقال:
كيف تتعامل المرأة مع جمالها بلا إفراط ولا تفريط؟
أقرّ الله عينيك بمن تسكنين إليه ويسكن إليك وأنبت بينكما المودّة والرّحمة وجعلكما للمتّقين إماما.