قد لا تُوفَّق إلى إجابةٍ صحيحةٍ في امتحانٍ ما، وقد يُسلَّط عليك جُندُ الخوفِ والتوتّر، أو يَفلت ما حفظت، أو تنسى ما درست، فتبكي بكاءَ المكلوم، وتشكُو شكوى المظلوم، وقد يتسلّل إليك اليأسُ وسوءُ الظنِّ بالرب، وتبدأ تسأل: لِمَ؟ وكيف؟
أو قد تسير قبل معادِ ركوبِ مواصلتك، وتأخذ بكلّ الأسباب لتكون أوّل الراكبين، ولا تتأخّر على موعدك، ولتكون أوّل الحاضرين، ثمّ فجأةً، لا تجد لك مكانًا بين الركّاب، فتصل متأخّرًا، وتكون آخر الحاضرين! أو تتعطّل سيارتك بدون سبب، فتبدأ بالتأفّف، والضجر، والسخط، والتشاؤم.
قد يُصاب عقلك وقلبك بالعمى عن رؤيةِ حقيقةٍ أو شيءٍ ما، فتُجرَح، وتُكسَر، وتذوق مرارةَ الندم، وتبدأ بجلد ذاتك: “أنا غبيّ، أنا أحمق، أنا ساذج…”، وتنسى أنّك عبدٌ تجري عليك الأقدار، لا أنت من يُجريها.
تلك الدرجات، يا أخيَّ، لم يكن لك فيها خير، هذا مؤكد، لا مُحتمل. وهذا لكي تُساق إلى قدرك، إلى تخصّصك، إلى رزقك، إلى مكانك، ولو بعد حين. ولو اجتمعت الأرضون، لن يحدث إلّا المكتوب. هو أعلم، نعم، هو أعلم بك منك، عليمٌ بما هو أفضل لك، وسترى هذا عندما يريد. وخيرٌ لك: حُسنُ الظنّ، والتسليم. ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[سورة: الحديد، الآية: 23].
ما مات فات، وما هو آتٍ خيرٌ بإذن الله. فلا تُعلّق قلبك بما مضى، ولا تُحمّل نفسك ما لا طاقة لها به، فالأقدار تمضي بحكمة، وإن خفيت عنك.
ذاك الباص أو القطار الذي كنت تريد أن تكون أوّل الراكبين فيه، ربما بعد نصف ساعة أو دقائق معدودة، سُمِع دويُّ انفجاره، وانتشرت أخباره: هذا مات، وهذا قُطعت يده، وهذا وهذا… ولن ننتهي! أو ربما المكان الذي كنت تريد الذهاب إليه، وذاك الشخص الذي كنت تريد مقابلته، قد وقع فيه ما وقع… أو ربما خسرت تلك المقابلة لتحصل على مقابلةِ عملٍ أفضل، ومكانةٍ أجمل… وكذا وكذا، وما خفي كان أعظم، وخيارك: التسليم، يا رفيق.
وتلك التجربة، يا صديقي، ليست لأنّك أحمق أو أعمى، بل كانت تؤهّلك لاستشعار جبرك بعد كسرك. فلن تعرف شعور السعادة، إلّا بعد تذوّق ألمِ الجهدِ والسيادة. وإن حدّثتُك، يا أخيَّ، فلن أنتهي… ما أريد إخبارك به: خيوطُ حياتك، بدايتك ونهايتك، بيدِ اللهِ الرؤوف، الودود، الحكيم، العليم، ذو العرشِ المجيد، يُبدِئ ويُعيد.
أمَا آنَ لك بحُسنِ الظنّ، ولقلبك أن يطمئنّ، وتُسلِّم أمورك لمدبّرها، وتسعى وأنت مُوقنٌ بالرّب؟
اللَّهُمّ اجعلنا من المُسلّمين لأقدارك، الراضين بحكمتك، المُوقنين بلُطفك.










