أعرف هذه القصة، أحفظها عن ظهر قلب، ويرقّ قلبي كلّ مرة عند ذكرها، ولطالما كانت أول ما أُلقي به في قعر قلب كل يائس، وفي نفس كل قانط، أحبّها؛ لأنّي أرى فيها رحمة الله البالغة، دونًا عن كلّ خلقه.
أعايش أحداثها البسيطة في قلّتها، العظيمة في معناها، وفي كل مرة أعود إليها بقلبٍ مختلف عن المرة الأولى.
قاتلُ تسعٍ وتسعين نفسًا… يخيل إليّ أنّ كل من يستمع إلى هذه البداية لأول مرة، يداهمه شعور الازدراء، ويطرق قلبه الاستياء والذعر من جرم هذا الرجل الوخيم، قتل! ذنبٌ عظيم، لا نفسًا واحدة، بل أنفسًا كثيرة؛ إسرافٌ في الخطيئة، حتى إذا جاءت الخاتمة صفعت الفؤاد صفعةً تُبكيه، ويبقى أثرها فيه، وتفتح به باب رجاءٍ لا يُنسى، وقد وضع كل سامعٍ نفسه موضعه.
غير أنّ الأيام الفائتة أخذت القصة تتردّد على خاطري في عزّ انشغالي وأغلب أوقاتي، لكنّي أعيشها هذه المرّة بنفسٍ مختلف عن كل مرة سابقة، من زاوية لم أعتدها، سؤالٌ واحد يُلحّ على فكري، ويفرض نفسه على بالي في صحوتي ويقظتي: أيُّ صدقٍ كان في قلبه؟
اعتدتُ سابقًا أن أضع عدستي على ردّ العابد، وعلى ضرورة مفارقة مكان الذنب وأرضه، والتلحّف بالصالحين، وعلى رحمة الله واختصام الملائكة، لكنّي لم أضع مكبّري على صاحب الذنب نفسه كما أفعل هذه الأيام.
أقول في نفسي وأتساءل: هل نبت الصدق في قلبه منذ أول خطوة خطاها نحو العابد؟ كيف كان شعوره آنذاك؟ أكان مثقلًا بالحزن، ضعيفًا من وطأة الذنب؟ هل شمّ رائحة التوبة وعبيرها، وتاق لأن يغتسل بمائها؟
ثم تلك الصدمة حين علم من العابد أنه لا توبة له، وقد أُغلق الباب في وجهه؛ ما أثقل هذا على قلب إنسان! هل حدّثته نفسه وشيطانه باليأس لحظات؟ هل صدّق قول العابد لبضع ثوانٍ؟ هل راوده شعور بأن ييأس من نفسه حين أخذه غضبه فقتل الراهب، وردّد في داخله: “لمثلي حقًّا لا توبة، فأنا مخلوط بهذا الذنب، لا أستطيع أن أمسك نفسي عنه”؟
ثم ما الذي انتشله بعد ذلك كلّه؟ أكان حسنُ ظنه بالله؟ أكان رجاؤه الذي لم ينطفئ؟ فسعى وهو موقن، يسأل ويُدلّ على عالم، ويتّبع وصيته، مُقبلًا غير مُدبر، ماضيًا غير ملتفت، صادقًا في فعله وقلبه. وأيُّ صدقٍ كان في قلبه!
وقبل ذلك كلّه، سنونه الماضية: هل كان الندم يزوره بعد كل ذلّة وسقطة؟ فلعلّ هذا الصدق لم يولد من فراغ، بل نبت طويلًا في الخفاء.
لا أعرف كلّ هذا، لكن ما أعلمه، وما تعلّمته هذه المرّة من القصة، أنّ السائر لا يكفّ عن التوبة، ولا يملّ من المحاولة، ولا يتأخّر عن المسارعة، وأنّ العبد يتّجه إلى الله بقلبه قبل قدمه، وأن يُري الله من صدقه فعلًا، فيؤاخذه الله بما في قلبه، لا بوصوله ولا بما بلغه، فلا ضير أن يسير ولا يصل، وكلّ الضير أن لا يسير، وأن يقف أو يرجع.
وإن أراد الإنسان أن يتمكّن منه الشيطان، فتح له باب اليأس على مصراعيه، فييأس من نفسه لتكرار الذنب، ويُقنعها أنّها لن تنفكّ عن الزلل.
أقول: لو أنّ هذا الرجل يئس من نفسه بعدما أتمّ المائة، لكن العجب كلّ العجب أنّه أتمّها وهو يسعى للتوبة، كمن أوشك أن يدخل من بابٍ فأُغلق في وجهه، فلم ينصرف، ولم يُسئ الظنّ، بل أدام الطرق حتى فُتح له، ومات على عتبته قبل أن يبلغ ما خلفه، لكن قلبه وصل قبل أن تصل قدمه.










