«إنّها ليلة، هو يومٌ، هي ساعاتٌ، هذي دقائق معدودة؛ دعونا نفرح، كُلّها أُغنية، أسيحرقتا الله في الجحيم لأجلها؟
لا بأس فلنذق العذاب زمنًا يسيرًا»!
المتفوّهون بهذه الكلمات وما شابهها، إن خرجوا صيفًا عند الظهيرة، يرتدون القبعات، وربما يحملون المظلّات، ويلوذون بالفيء، ثم يعودون منهكين متحرّقين لقطرة ماء باردة!
فلمَ الاستكبار على الحق، والعناد في الباطل، وأنت نفس واحد من جهنّم؛ لم تستطع عليه صبرًا! وهجُ الحرارةِ وحده يرميكَ طريحًا على الفراش، فأيّ قوّةٍ تجرِّؤك على قولك هذا؟
ما جرّأك وجسرك هو عدم خشيتك من الله، فالخوف يكفّ جوارحك عن المعاصي ويقيّدها بالطاعات، الخوف يجنّبك فعل اللَّمم، الخوف لا يذرك تستهِين بالصغيرة فيجعلك تعدّ الحصى جبلاً ثقيلًا على كاهلك، بل يحرق الشهوات المحرّمة فتصير في نفسك مكروهة… فكلّما أقدمتَ بشجاعةٍ وبسالةٍ على ارتكاب المحرّمات؛ اعلم أنَّ نور الخوف في قلبك قد انطفأ، فتدارك قلبك سريعاً.
فقلبٌ لا يقف عند حدود الله لأنّها مناسبة كذا ولا بُدَّ أن أفرح، وقلب يذكّر بالله ولا يتذكّر، وقلب يستخفّ بنارٍ لظى وبعقاب شديد بانتقام عزيز بمكرٍ حريز، كيف له أن يكون حيًّا!
إنَّ الخوف من الله أمرٌ منه، وشرطٌ أساسيّ للإيمان، فقد قال تعالى﴿وخافونِ إن كنتم مؤمنين﴾
فلا يتصوّر أن ينفكّ مؤمن عن الخوف، وكلّما ازداد علمه بربّه وإيمانه به؛ ازداد خوفه منه، ودعاه خوفه إلى كل خير.
والله جمع لأهل الخوف الهدى والرحمة﴿ هدًى ورحمة للذين هم لربّهم يرهبون﴾، والعلم ﴿إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾، والرضوان ﴿رضيَ الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشيَ ربّه﴾.
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم من الصالحين من سلف الأمّة في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحنُ في غاية التفريط وغاية الأمن!
قال يحيى بن معاذ:« من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقّع القرب من الله بغير طاعة، وانتظار زرع الجنّة ببذر النّار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمنّي على الله عزّ وجلّ مع الإفراط»!
“ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إنَّ السفينة لا تجري على اليبسِ”










