ظلٌّ على نافذةِ القبر

ها أنا أكتبُ إليكِ من نافذتي الصغيرة، أمسحُ عن زجاجها غبار السنوات، أقتل الوحدة بصورتكِ العابرة. أصعدُ على صدرِ الأيام، وأدخلُ إلى ثغر الكلمات.
هل تعلمين؟ حاولتُ كثيرًا أن أُناديكِ، لكنّ لساني كانَ يخونُني دومًا. شاخَ صوتي كما شاخَ جسدي، وضعُفت كلماتي كما وهنَ قلبي، فبقيتُ أُراقبكِ من بعيد، أحملّ في داخلي نداءً لم يكتمل، وصرخةً عالقةً في حنجرةٍ ذابلة.

كنتِ تمرّين من أمام نافذتي، وكنتُ أنا ظلًّا لا يُرى، أراكِ كما يرى الليل نوره البعيد، أسمعُ ضحكتكِ العالية، فيرتجفُ قلبي كأنه يتذكّرُ ما نَسي.
أراكِ كقرص الشمس شابّةً يافعة، يمُرُّ الشباب من أمامكِ، فتتوغّل نظراتهم في موسيقى صوتكِ العذب. ليتني استطعتُ أن أصرُخَ هذه المرّة، أن أُمسككِ من عنق ربطة حجابك، وأقول لكِ:

﴿ولا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].

عدتُ إلى سريري الجاف، وملابسي الممزّقة، وحنجرتي العقيمة، تلمّستُ فمي، فوجدتُ لسانًا محترقًا!، غفوتُ على طريق الليل دونَ شعور، فقد كنتُ أعُدُّ خُصلات ذنوبي التي ما حسبتُ لها حسابًا!
تراخى العالم تحتَ هذا الصمت، لم أعُد أشعُر في أيِّ توقيتٍ أنا… ما يُضمّدُ جرحي، هوَ أنني أُراقبُ شبابكِ من أمامِ نافذتي اللا مرئيّة، أُبصرُ الجميع ولا يُبصرونني.

استيقظتُ من غفوتي راكضةً بقلبي لأتعقّبَكِ…
مررتِ ذاهبةً إلى الجامعة، وكنتُ أتساءل: لماذا تلبسين لبسكِ بهذهِ الطريقة؟
سمعتُ ضحكاتكِ للمرّة الثانية، وشعرتُ بأنّ الشارع يبتلعُني. وددتُ أن أقولَ لكِ: إنّ العفافَ زينةٌ، وإنّ صوتكِ لا يجبُ أن يجلبَ الفتن، ولكنكِ -كالعادة- لم تريني. مضتْ سنةٌ وسنتانِ، وأنتِ على ذاتِ الحال، وكلُّ يومٍ تزداد حسرتي عليكِ.

ليتني أقولُ لكِ: العُمرُ مرّةٌ واحدة، لا تجعليه يفنى وأنتِ تغرقينَ في بحر الذُّنوب. وددتُ أن أُخبركِ بأشياءٍ كثيرة، أشياءَ نسيتُها أنا في شبابي، فلم يُنقذني أحد. كانَ القهر جاثمًا على صدري، يصبغُ ما تبقّى من هيكلي العظميِّ، ويُفتّت ما بقيَ منّي.

أنا تلكَ التي ابتلعتُ الذُّنوب، وضحكتُ على الطُّرُقات، وفتنتُ الكثير… أقفُ الآنَ هُنا، ذنبًا، وقهرًا، وصمتًا. أقفُ على نافذةِ القبر، دونَ صوتٍ!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة