المسلسلات

|

المسلسلات ليست مجرد أعمال فنية “تصور الواقع وتعكس ما فيه” بحسب ما يروج لها، بل هي تصنع واقعها الخاص وتعيد تشكيل الفكر وتوجيه القيم وصناعة القدوات.

أما موقف شرعنا الحنيف، فالمسلسلات الرائجة والخليعة التي تعرض اليوم فهي محرمة لما يصور فيها من المحاذير الشرعية، والإفساد العقدي والخُلقي، ومَشاهد الاختلاط والتبرج…

وإن الأَوْلى بالمسلمة والمسلم أن يملآ وقتهما بما ينفعهما في دينهما ودنياهما وإن كان من باب الترويح عن النفس والترفيه عنها.

وكما لا يخفى عن الجميع فالمسلسلات الرائجة اليوم تعتبر وسيلة من وسائل التدمير التي يعتمدها أعداء الله لدس سمومهم ونشر شرورهم وفسادهم بين مختلف الشرائح العمرية؛ لأسلوبها الناعم وغير المباشر. وهي تعتبر عُدة من عتاد حرب ضروس على الفكر والهوية.

وكثيرًا ما يتم تصوير المسلسلات على أنها مرآة للواقع وأنها تبين حقيقة المجتمع، إلا أنها في الحقيقة تصور الحالة الاستثنائية النادرة، وتضخمها وتجعلها محور القصة.

وهنا تنسج خيوط الغفلة بخبرة ويغلف الفساد في صورة بريئة، فيجعلون المُشاهد في حالة تبرير لتلك الفاحشة أو الفساد، ومع تكرار المشهد يزيد تقبل المُشاهد له؛ وعندها تُرقق الرذيلة ويسهل المنكر ويعم الفساد.

فالمسلسلات تصنع واقعها الخاص وتنشره وتكرره؛ فيطبع المُشاهد مع المنكر الذي كان ينهى ويُنهى عنه…

المسلسلات الكوميدية، حين يدفع المشاهد دينه وقيمه ثمنا مقابل إضحاكه… وأشد ما يجب ذكره عنها هو أمر تخنيث الرجال، والمثلية الجنسية، وتصويرهم في مشاهد “مضحكة” من باب الترفيه، ولو وقف المُشاهد لحظة فقط لوجد أنها أكبر وأخطر بكثير.

نتيجة ذلك يُطبع القلب ويتقبل العقل تلك المَشاهد، ورويدًا رويدًا عندما يُلمس الأمر وتشوه الفطرة في الواقع الحقيقي -وهو حاصل- لن تكون تلك الفزعة المطلوبة، وحتى في الواقع ستصبح معتادة و”حرية شخصية”. بل قد يبلغ الأمر بأن تشوه فطرة المُشاهد نفسه ويدفع إلى ما لا تحمد عقباه.

ومن الجدير بالذكر أن المسلسلات يركز فيها على صناعة قالب لشخصية ناجحة جذابة وفقا لمعاييرهم ومبادئهم وما يخدم أهدافهم؛ كتصوير العبقري في صورة قاتل سفاح، أو شاب سيئ الأخلاق قليل الأدب كثير العلاقات مع النساء يصبح غنيًا مشهورًا، وهو ما يُصور على أنه “قمة النجاح”.

وفي المقابل، تكون الفتاة المحجبة خادمة محتاجة وسارقة، والملتحي صاحب القميص المسبول فقير معدم مهووس بالنساء، أو داعشي، أو ارهابي…

ومن هنا يُبنى جيل هدفه وقيمه لا يستمدها من الشريعة، وتُرسم له صورة هدفه الذي يجب أن يسعى إليه، والشخصية التي يجب أن يسير على خطاها.

وقد حدث أن بلغ الأمر بأن يقتل المسلم أخاه تقليدً لما جاء في مسلسل… مثل ما حدث في إحدى الدول بأن قتل طفل ذو ثلاث عشرة سنة صاحبه ذا الاثنتا عشرة سنة، بل وقطعه إلى أجزاء تمامًا كما جاء في مسلسل شاهده…

دراما اليوم “المسلسلات الكورية”، مسلسلات ذات طابع ناعم يغلف فيها الباطل بغلاف بريء لطيف، وكثيرًا ما تبتعد عن المَشاهد الصادمة الصريحة حتى لا يستقبحها المُشاهد، تعتمد على الإيحاءات والتلميحات -وإن كانت واضحة-، والتمادي فيها يتطور مع تقدم الزمن…

الإلحاد، يحتل جزءًا كبيرًا من الأمور التي يُروّج لها خاصة فيما يعرف بمسلسلات الفانتازيا. حيث بلغ بهم الأمر أن صُور الشيطان على أنه المُنقذ والطيب وفيه جانب خير، وأنه ليس بالشر الذي نعرفه عنه…

في حين يُصور ربنا سبحانه جل في علاه في صورة مهينة!! تعالى الله عما يصفون علوًّا كبيرًا. في مشاهد يتفطر لها الحجر ويبكي لها الشجر! فكيف يشاهدها موحد مسلم مؤمن!

بالإضافة إلى الترويج إلى العقائد الشركية كالحياة السابقة والتناسخ…

أما ما يعرف عنها حقًّا، فهو فاحشة قوم لوط عليه السلام، وهو ما يعرف بالشذوذ الجنسي، فهو أمر تكثر فيه التلميحات.

وكثيرًا ما يستقبح المسلمون هذا منهم إلا أنهم لا يتخلون عن مُشاهدتهم لها؛ وهذا إن دل على شيء فهو يدل على تدني المبادئ والاستهانة بالدين والمحرمات، وتعدٍّ على حدود الله، وأن المجتمع مغيب والشباب غافل وعدو الله يتمادى في طغيانه في ظل تطبيع وغفلة غير مسبوقة.

ولم تُخص هذه الدراما بالتحديد في الكلام إلا لكثرة انتشارها في الزمن الحالي وهوس الجيل الصاعد بها، والأرقام في تزايد مستمر…

المسلسلات الإباحية، الإيحاءات الجنسية والمشاهد الخليعة… وطبعا لا تكون صريحة مباشرة، بل يبدأ بمشهد “حب” بسيط، ثم لقطة أطول، فمشهد جريء صريح، وهنا تثار الشهوات.

وقد يدخل المُشاهد في متاهة ودوامة إدمان يصعب التعافي منها، فتَعود الدماغ المنظر لا يجعله يترك الإنكار فقط، بل يدفعه إلى طلب ما هو أكثر متعة (أكثر جرأة)، ولأن الحرام سهل والوصول إلى تلك المشاهد والصور الذميمة يحدث بكبسة زر؛ يصبح المُشاهد أسير المسلسلات الإباحية ويفحش في الخلوات…

ويتطور إدمانه ويضعف إيمانه وقد يصل الأمر إلى الزنا الحقيقي إن لم يستدرك نفسه ويجاهدها.

فما هذه المسلسلات إلا خطوات يجر بها الشيطانُ المتفرجَ جرًّا إلى الكبائر.

“موسم رمضان”، عندما تفتح أبواب الجنة وتصفد الشياطين، تأتي الشاشات لتُفتح على مصراعيها؛ فتغمر القلوب بالغفلة والقسوة، وتسرق الخشوع، وتقطع السبل إلى القرآن…

فيحدث أن يسهر مسلم مؤمن على مشاهدة المسلسلات إلى وقت السحور، ويستثقل وينفر من إكمال ركعتين من صلاة التراويح، في حين أن المتوقع هو أن يقف في الليل بين يدي الله…

ويحدث أن تجتمع الأسرة على المسلسل وعلى مناقشة أحداثه، في حين أن المفترض هو أن يجتمعوا على القرآن وعلى ذكره سبحانه. يحدث ويحدث الكثير…

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.

تصديقًا وعملًا بما جاء في قول الرسول ﷺ: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»:

فيا إماء الله، ويا عباد الله، قاطعوا هذه المسلسلات، اتركوها وتوبوا إلى الله… آن لكم أن تتفتح أعينكم، في زمن تتغير فيه المفاهيم وتتبدل فيه القيم وتجر فيه العقول وراء شعارات جذابة وأفكار لامعة… آن لكم أن تستيقظوا من غفلتكم؛ فإن العواقب وخيمة، والثمن عمركم، ودينكم، وهل هناك أعظم من العمر والدين؟

قال الله سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].

وفي هذه الآية الكريمة يبين الله تبارك وتعالى أن الرضا بالمنكر مشاركة فيه…

وممنتجو المسلسلات تمادوا وأصبحوا يصورون الكفر ويتعدون على الله وعلى حدوده ويصفونه بما لا يليق به سبحانه جل في علاه في “مشاهد ترفيهية”…

فعلى المؤمن الموحد الذي يغار على دينه أن يعرض عن هذا، ولا يكتفي باستقباح الأمر بقلبه؛ فإنه ما يلبث أن يطبع معه ويعتاد المنظر، وقد يدافع عنه…

فلا تغامروا بأنفسكم في مواطن الفتن؛ فالعين تزني، وزناها النظر… لا تفرطوا في عمركم واشغلوا أنفسكم بما ينفعكم، وانصروا دينكم بالإعراض عمن يصنع الوهم ويبيعه بثمن بخس، ويشتريه الغافلون عن الثمن الحقيقي مقابل ما اشتروه…

مجلة أسنة الضياء العدد الرابع

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة