أمة إسلامية!
ما هي الأمة الإسلامية؟
هم جماعة من الناس تنبع قيمهم وأخلاقهم وتصوراتهم وحياتهم وميزان أعمالهم من المنهج الإسلامي.
ألقِ بنظرك مرة ومرات، وانظُر إلى الأمة الإسلامية، وما آلت إليه الآن، انظر كيف زال وجودها منذ أصبحت فطرتهم كأرضٍ بائرة، منذ انقطع الحكم بشريعة الله بين هذه الأمة الإسلامية.
قال رسول الله ﷺ: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها” قالوا: أَوَمن قلّة نحن يومئذ؟ قال: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن.” قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: “حب الدنيا وكراهية الموت.”
هنا وصف دقيق لحال الأمة اليوم: عدد كبير، لكن بلا قوة حقيقية، لأنها فقدت إيمانها العملي، ففقدت المهابة، أصبحت تتبع اتباعاً أعمى، لانبهارها بالباطل وكأنه النور بين الظلمات…!
بأي شيءٍ ينبهرون..؟! بأي شيءٍ لمعت عيونهم وابتسم ثغرهم؟!
أبالباطل…؟
ما هو الباطل: هو كل ما خالف الحق، سواء في العقيدة أو القول أو الفعل.
وهو يشمل ما نهى الله تعالى عنه، أو ما يُعارض أو يُزيّف الحق الذي أنزله الله على أنبيائه.
هو كل قول أو عمل لا يوافق الحق الذي جاء به الشرع، سواء أكان شركًا، أو معصية، أو زورًا، أو ظلما، أو تضليلاً.
قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا﴾ [طه: 124].
فالمعيشة الضنك ليست فقط فقر المال، بل اضطراب النفس والمجتمع، وهذا حال الأمة حين تبتعد عن الوحي حين تتبع اتباعاً أعمى.
وهنا تكمن الكارثة الكبرى… ليس فقط في أن الأمة انبهرت بالباطل، بل صمتت أيضاً عن انكاره، فأصبح الباطل مألوفاً بين المسلمين حتى بات محبوبا مألوفًا، وهذا ما نسميه: “التطبيع الصامت مع الباطل”،
لم يعد الباطل يُفرض بالقوة فقط؛ بل يُغلف في أبهى صور، ثم يقدم لنا في صورة فن، حرية، رأي، موضة، إنسانية، ويتسلل في هدوء إلى أعماقنا وجذورنا، حتى يُصبح جزءًا من المشهد، من حياتنا، من حديثنا، من أطفالنا، بل من فطرتنا!
يبدأ التطبيع الصامت وتطبيع الباطل حين يُعرض المنكر في صورة محببة، وتُشوه الفضيلة فتُقدّم كتشدد أو تخلّف…
حين نرى المنكر ولا ننكره، نسمعه ولا نغلقه، نضحك عليه، نشاركه، ثم لا نلبث أن ندافع عنه!
والباطل لا يكون حقًا ولو ردده الناس ألف مرة، والحق لا يبطل ولو حورب من الدنيا كلها.
والمؤمن الفطن يدرك ذلك التطبيع والاتباع الأعمى من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينجرف مع سيل الانبهار، قال ﷺ:
“لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه.” قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: “فمن؟”
فقد حذر النبي ﷺ من تطبيع الباطل والانبهار بالحضارات المنحرفة عن الإسلام.
ما هو تطبيع الباطل أو التطبيع الصامت..!؟
هو تزين المنكر وجعله شيئا عادياً من خلال تكراره واعتياده.
الحديث عن هذه الظاهرة أولوية من الأولويات وليس في هامش الخارطة الدعوية، فقد رأينا كيف أصبحت الأمة كسهم عائر حائد عن مقصده وفقد مرجعيته وأضل بوصلته، رأينا كيف أصبح جوهر المسلم ملطخاً بعادات الغرب التي أصبحت في أعماقِه،
لا بد أن نعيد وجود الأمة الإسلامية من جديد، لا بد من إخراج المسلم من حالة الإنبهار الزائف إلى التمسك بنورِ مرجعيته وميزانه.
لا بد من إحياءٍ لهذه الأمة التي اندثرت تحت ركام التقليد والتطبيع والإتباع تحت ركام التصورات والأوضاع حتى أصبحت أمة إسلامية صورية لا علاقة لها بالمنهج الإسلامي، ضاع أثر النبوة، ووارته ركام الأجيال… فتبدل اليقين بالشك، والحق بالهوى.
كيف يتم تمرير الباطل..؟ يتم تمريره من خلال عدة روافد والإعلام رافدٌ من روافده بما فيه من مسلسلات وأفلام وإعلانات فيتشرب المسلم ببطء عادات كان لا يؤيدها
وافكارٍ كان قد خالفها.
ومن الروافد، مواقع التواصل الإجتماعي والمؤثرين، لمسنا كيف كان لهذا الجانب الأثر الكبير في تغير النهج كيف يعجب الشباب بالاعب الغربي هذا وهذا ثم يسيرون على نهجه شكلًا وعملًا ، وهكذا الحال مع كل مشهورٍ يصعده لنا (السوشال ميديا).
يهاجِمون الإسلام ويريدون هدم بنائه من خلال تطبيع الباطل الذي وللأسف تشربه بعض المسلمين ببطء.
فأصبح إظهار الرجل لقوامته وغيرته ذكورية، وتمرد المراة على فطرتها حرية تُمدح عليها.
أما العفة، فتصور وكأنها شيء نادر أو غريب.
ومن يعارض شيئًا من هذه المسميات الحديثة البعيدة كل البعد عن مرجعية المسلمين، يتهم بالرجعية والتخلف.
تشرب المسلمون هذه المسميات ببطء، ففي البداية، أصبح يتكرر الباطل أمامنا بلا إنكار، ثم صار مألوفاً، ثم ندافع عنه، ثم نهاجم من يعارضه.
أعادوا تعريف الرجل والمرأة والأسرة بناءً على قيم غربية، لا علاقة لها بالإسلام ولا بالفطرة.
كل هذا أدى إلى طمس فطرة المسلم وتجرده من قيمه الإسلامية ليصبح مسلمًا صوريًّا اختلطت عنده المفاهيم، وجهل دوره وما عليه وفقد بوصلته الأخلاقية والدينية.
أصبح مستقبل الأجيال مهددًا بهذا التطبيع الصامت، أو تطبيع الباطل.
ما هو دوركم بصفتكم مسلمين تجاه هذه التيارات؟!
- تثبيت المفاهيم الصحيحة.
- الوعي والتمييز بين الحق والباطل.
- التربية الواعية للأبناء وإبعادهم عن التفاهات وإشغالهم بمعالي الأمور.
- الإنكار بالقول أو الفعل أو القلب.
- دعم المحتوى القيمي المقاوم للتيارات المنحرفة.
- إدراك أهمية نفسك وإشغالها بما ينفع أمتها ويسد ثغرها ويوقظ أبنائها.
السكوت عن الباطل، وتكراره حتى يُصبح مألوفًا؛ هو أخطر ما يهدد كيان هذه الأمة… تطبيع المنكرات لا يتم بضجيج، بل بصمتٍ يتسلل إلى العقول والقلوب؛ حتى لا تنكره الأبصار ولا تستثقله النفوس.
لكن على الرغم من هذا الظلام… يبقى في هذه الأمة خيرٌ كثير، وقلوبٌ يقظة، ورايات لم تُنزل.
فليبدأ كلٌّ منا من نفسه، من بيته، من كلمته، من سلوكه؛ فكلنا مسؤول، وكلنا على ثغر.
فلنستفق الآن قبل أن يغمرنا الطوفان، وليرفع كلٌّ منا رايته، وليراجع عقائده قبل أن تشوبها المنكرات.
وتذكروا: الباطل لا يرى حقًّا إلا بالتكرار، والحق لا يعود إلا بالتذكير به وتثبيته.
وما لم نُعد التحكيم إلى مرجعية الوحي، ونُعد للقرآن والسنة مكانتهما في الحكم على حياتنا؛ فلن نخرج من دائرة الانبهار، إلى نور التمييز والبصيرة.
فهذه الأمة، وإن مرّت بمرحلة تطبيع الباطل، فإنها ستفيق، وستخرج من هذا الليل الطويل، لتنير الدنيا من جديد، تحت راية الحق، وقيادة الوحي.










