القنوت في صلاة الوتر سنة مستحبة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت بعض الأحاديث في بيان صيغة دعاء القنوت.
عن الْحَسَن بْن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ.
وفي صحيح ابن خزيمة، أن الناس على عهد عمر رضي الله عنه كانوا يلعنون الكفرة في النصف -يعني من رمضان-: «اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق».
ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال:
وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: «اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ربنا ونخاف عذابك الجد إن عذابك لمن عاديت ملحق». ثم يكبر ويهوي ساجدًا.’¹’
مع مراعاة أن الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أصحابه من بعده، أولى وأفضل وأعظم بركة من صياغة الأدعية المسجوعة، والأوراد المتكلفة، والتي لا يؤمن أن يكون فيها خطأ في المعنى، أو مخالفة لمقتضى الأدب مع الله تعالى في دعائه، وأسلم لصاحبها من الرياء والسمعة.
قال القاضي عياض رحمه الله: «أذن الله تعالى في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة؛ فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه صلى الله عليه وسلم».
وقال الماوردي رحمه الله: «والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من غيره، وأي شيء قنت من الدعاء المأثور وغيره أجزأه عن قنوته».’²’
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان ولا يحيط به إنسان، وما سواها من الأذكار قد يكون محرمًا وقد يكون مكروها، وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها.
وليس لأحد أن يسن للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداعُ دينٍ لم يأذن الله به.
بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سنة؛ فهذا إذا لم يُعْلم أنه يتضمن معنى محرمًا لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به.
وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب. وأما اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي، فهذا مما ينهى عنه.
ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العلية ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد».
ما هو مقدار القنوت؟ وهل يشرع التطويل فيه أم لا؟
إذا تأملنا في حديث الحسن بن علي السابق، نجد أن الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم له دعاء مختصر موجز، لا يكاد يستغرق الدقائق المعدودات؛ مما يدل على أن الأَوْلَى في دعاء القنوت هو الاختصار، والاقتصار على جوامع الدعاء.
جاء في مغني المحتاج (1/369): قال في المجموع عن البغوي: وتكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، وقال القاضي حسين: «ولو طَوَّلَ القنوت زائدًا على العادة كُره» انتهى.
بل أشار النووي رحمه الله تعالى إلى أن الجمع بين دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء عمر رضي الله عنه في القنوت، هو من التطويل الذي ينبغي مراعاة أحوال الناس فيه، والعلم برضاهم به.
قال: قال أصحابنا: «يستحب الجمع بين قنوت عمر رضي الله عنه وبين ما سبق فإن جمع بينهما فالأصح تأخير قنوت عمر، وفي وجه يستحب تقديمه، وإن اقتصر فليقتصر على الأول، وإنما يستحب الجمع بينهما إذا كان منفردًا أو إمام محصورين يرضون بالتطويل والله أعلم».’³’
‘¹’ قال الألباني: «إسناده صحيح».
‘²’ الحاوي الكبير [2/200].
‘³’ المجموع (3/478).










