أوصى الله بالإحسان إلى الوالدين جميعًا، وقرَنَ هذا الأمر بعبادته والنهي عن الإشراك به؛ ليدلل على عظمته، ومكانته في الدين، وأمرَ كذلك بالشكر لهما والبر بهما، وأن ذلك من شكره.
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحدُّ النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد؛ تذللًا لهما”.
فانظر أيها القارئ الكريم كيف يربط السياق القرآني بر الوالدين بعبادة الله؛ إعلانًا لقيمة هذا البر عند الله.
- مكانة بر الوالدين في الشريعة: لأهمية بر الوالدين دلائل عديدة، نذكر منها أنَّ:
١- بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله تعالى: فعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ النبيَّ ﷺ: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: “الصلاةُ على وقتها”، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: “برُّ الوالدين”، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: “الجهاد في سبيل الله”. ‘¹’
٢- بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله:
كما في الحديث السابق، وما جاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حيث قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: “أحيٌّ والداك؟” قال: “نعم”. قال: “ففيهما فجاهد”.’²’
وعن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: “يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك”، فقال: “هل لك من أم؟” قال: “نعم”، فقال: “الزمها؛ فإن الجنة عند رجليها”.’³’
وهذه الأدلة وما جاء في معناها لمن لم يتعين عليه الجهاد، فإذا تعين عليه فتركُه الجهادَ معصية.
٣- بر الوالدين سبب للنجاة من الكُروب: ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانطبقت عليهم صخرةٌ فسدَّته عليهم، فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم أن يفرِّج عنهم؛ فقال أحدهم:
“اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أَغبِقُ قبلَهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلبُ الشجر يومًا، فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبتُ غَبُوقهما، فوجدتهما نائمَيْنِ، فلبثت والقدحُ على يدي أنتظرُ استيقاظَهما، حتى برَق الفجر،
فاستيقَظا فشربا غَبُوقهما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك؛ ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة”؛ فانفرجت قليلًا، وتوسَّلَ صاحباه بصالحٍ من أعمالهما، فانفرجت كلُّها، وخرجوا يمشون.
٤- بر الوالدين سببٌ في دخول الجنة: ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: “رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف مَن أدرك أبويه عند الكبر أحدُهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة”.’⁴’
٥- وأنَّ الوالدين أحقُّ الناس بحُسن الصحبة: ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحُسن صحابتي؟ قال: “أمُّك”، قال: ثم مَن؟ قال: “أمُّك”، قال: ثم مَن؟ قال: “أمُّك”، قال: ثم مَن؟ قال: “أبوك”.’⁵’
‘¹’ متفق عليه
‘²’ رواه البخاري (4/18).
‘³’ أخرجه أحمد (3/429)
والنسائي (6/11).
‘⁴’ رواه مسلم.
‘⁵’ متفق عليه.










