قال تعالى: ﴿…وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِی تَسَاۤءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَیۡكُمۡ رَقِیبࣰا﴾ [النساء ١]
وقال تعالى واصفًا أولي الألباب: ﴿وَٱلَّذِینَ یَصِلُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَیَخَافُونَ سُوۤءَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [الرعد ٢١]
لقد أمر الله بصلة الأرحام، والبر والإحسان إليهم، ونهى وحذّر عن قطيعتهم والإساءة إليهم، وعدَّ ﷺ قطيعة الأرحام مانعاً من دخول الجنة مع أول الداخلين، ومُصْلٍ للمسيئين لأرحامهم بنار الجحيم.
وعلى الرغم من وصية الله ورسوله بالأقارب، فقد عدَّ الإسلام صلة الرحم من الحقوق العشرة التي أمر الله بها أن توصل في قوله تعالى:
﴿۞ وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰا وَبِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ…﴾ [النساء ٣٦]
إلا أنَّ جُلّ المسلمين أضاعوا هذا الحق مثل إضاعتهم لغيره من الحقوق أو أشد؛ مما جعل الحقد والبغضاء والشحناء تحل محل الألفة والمحبة والرحمة بين أقرب الأقربين وبين الأخوة في الدين على حد سواء.
◆ ومن الأدلة الكاشفة عن أهمية صلة الرحم في الشريعة، أن:
١- صلة الرحم شعار الإيمان بالله واليوم الآخر: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال:
“من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه”. ‘¹’
٢- صلة الرحم سبب لزيادة العمر وبسط الرزق: فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: “مَن أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره؛ فليصل رحمه”. ‘²’
والمراد بزيادة العمر هنا: إما البركة في عمر الإنسان الواصل، أو يراد أن الزيادة على حقيقتها؛ فالذي يصل رحمه يزيد الله في عمره.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: الرزق نوعان: أحدهما: ما علمه الله أن يرزقه، فهذا لا يتغير. والثاني: ما كتبه وأعلمَ به الملائكة، فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب.
٣- صلة الرحم من أعظم أسباب دخول الجنة: فعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال رسول الله ﷺ: “تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم”. ‘²’
٤- صلة الرحم طاعة لله عز وجل: فهي وصل لما أمر الله به أن يوصل، قال تعالى مثنيًا على الواصلين:
﴿وَٱلَّذِینَ یَصِلُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَیَخَافُونَ سُوۤءَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [الرعد ٢١]
◆ عقوبة قاطع الرحم:
١- قاطع الرحم ملعون في كتاب الله، فقد تعالى:
﴿فَهَلۡ عَسَیۡتُمۡ إِن تَوَلَّیۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰۤ أَبۡصَـٰرَهُمۡ﴾ [محمد ٢٢ - ٢٣]
قال علي بن الحسين لولده: يا بني لا تصحبنَّ قاطع رحم؛ فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله في ثلاثة مواطن!
٢- قاطع الرحم تُعجَّل له العقوبة في الدنيا ولَعذاب الأخرة أشد وأبقى: عن أبي بكر -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: “ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم”. ‘³’
٣- لا يرفع له عمل ولا يقبله الله: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي ﷺ يقول: “إن أعمال بني آدم تُعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم”. ‘⁴’
٤- قطعها قطع للوصل مع الله: فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: “الرحم معلقة بالعرش، تقول: مَن وصلني؛ وصله الله، ومن قطعني؛ قطعه الله”. ‘²’
٥- سبب في المنع من دخول الجنة: فقد قال رسول الله ﷺ: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”. ‘⁵’
وكان أبو بكر -رضي الله عنه- ينفق على ابن خالته؛ لأنه كان فقيرًا، ولما كان حديث الإفك عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- تكلّم عنها ابن خالته مع من تكلموا في حقها، فلما بلغ ذلك أبا بكر؛ قطع عليه النفقة، وهذا في نظرنا أقل ما يمكن فعله،
ولكن الله سبحانه وتعالى أنزل في ذلك قرآنا كريمًا ليسطَّر لنا مثَلًا عظيمًا في التعامل الاجتماعي بين الناس، فنزل قوله تعالى:
﴿وَلَا یَأۡتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن یُؤۡتُوۤا۟ أُو۟لِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینَ وَٱلۡمُهَـٰجِرِینَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۖ وَلۡیَعۡفُوا۟ وَلۡیَصۡفَحُوۤا۟ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ﴾ [النور ٢٢]
قال أبو بكر -رضي الله عنه-: بلى!!
أي: بلى أحب أن يغفر الله لي، وأن يعفو عني، فردَّ أبو بكر -رضي الله عنه- النفقة التي كان ينفقها على ابن خالته رغم ما كان منه في حق أم المؤمنين -رضي الله عنها-.
فانظر أخي الكريم إذا كنت قاطعًا لرحمك، ما السبب في ذلك؟
مهما كان السبب، ففي الغالب لن يرقى سببك إلى السبب الذي قطع أبو بكر النفقة على ابن خالته من أجله، ورغم ذلك انظر كيف كان الرد القرآني على ذلك!
‘¹’ (رواه البخاري).
‘²’ (رواه البخاري ومسلم).
‘³’ (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه).
‘⁴’ (رواه أحمد ورجاله ثقات وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب).
‘⁵’ (رواه الترمذي).










