جاء في صحيح البخاري: “أن أم جُريج العابد دعت على ابنها جُريج لمّا تشاغل عنها بصلاتهِ بهذا الدُعاء الغريب، قالت وسألت الله أن لا يُميتهُ حتى ينظر في وجوه المومسات”، أي: الزانيات.
ولِسائل أن يَسأل: لماذا اختارت أم جُريج هذه الدعوة؟
ولعل جواب ذلك -والعِلم عند الله- أنها لمّا علمِت أنه لم يُجبها؛ لالتذاذه بصلاتهِ، وإن مما يُذهب الخشوع ويُفقِد لذة العِبادة “إطلاق البصر”، دعت عليه بتلك الدعوة!
نعم؛ فالنظر إلى الحرام يُذهبُ لذة المُناجاة، ويطمس البصيرة، ويُزيلُ الحياء، ويُطفىء نور التقوى في القلب، ويخسفُ بديانة العابد إلى هوةٍ سحيقة!
إن مُجرد أن يُخلى بين العبد وبين النظر إلى تلك الوجوه، وإلى تلك الصور الآثمة والأجساد العارية هي عقوبة من الله عز وجل، فلا تغفل يا أخي ويا أختي عن هذا المعنى، فغضُّ البصر جنّةٌ غادرها الكثير؛ استجابة لنزواتهم العابِرة، فما حصدوا إلا الحسرات المتتابعة والآلام.
فإيمانُك عزيز، بل هو أعز ما تملك؛ ولِذا يجب عليك أن تتعامل معه بعناية كبيرة، وإلا ذهب وتلاشى!
فما أعظم خسارة من ضيّع النور والصفاء الذي اقتبسه من هداءات الأسحار، وتراتيل الوحي، وظمأ الهواجر، بنزوة عابِرة ونظرةٍ مُحرمة، كيف وقد قال الله جل وعلا:
﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَـٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَ ٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ﴾ [النور ٣٠]
ذلك أزكى لهم، فتزكية النفس مِن أبعد ما تكون عمّن أطلق بصرهُ في الحرام، فإنه لن تتزكى نفس الشخص وهو لم يُحكم إغلاق باب النظر المُحرم، وكُلُّ زمن الجهادِ في الغضّ: لحظة!
فميزان هداية القلب: خلواته؛ فأنت حين تغضّ بصرك تشتري صفاء روحك، وتُحافظ على النور الذي أسكنهُ الله قلبك، وتُغلقُ أعظم أبواب الشيطان عليك، وأشهدها فتكاً بإيمانك؛ لأن آثار النظر المُحرمِ عظيمة وخطيرة.
“ومن أطلق نظراته؛ دامت حسراتهِ!”‘¹’
فهذه الصور المُحرمة، وهذه المقاطع الآثمة؛ تجعلك تنفصل عن جميع معاني الحياة، وتصبح أسيرًا لها، تُصبح وتُمسي وتفكيرُك منحصر فيها، وتُصبحُ مُكبّلاً عن الخير، تعيشُ على هذه الشهوات المُحرمة، وهذا والله هو الخُسران والغبن، فالعمر أثمن من هذا.
قال تعالى: ﴿…وَمَن یَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِیَ إِلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [آل عمران ١٠١]
أولى عتبات الخلاص من هذا المستنقع:
- الإكثار من الدُعاء والتضرع بين يديّ الله عز وجل.
أكثِر من سؤال الله عز وجل أن يُعينك على غض بصرك، وأن يصرف عنك السوء والفحشاء، وأن يهديك، وأن يُلهمك رُشدك.
قُل: اللهم أعنّي على غض بصري عن الحرام.
قُل: اللهم اصرف عني السوء والفحشاء، واجعلني من عِبادك المُخلصين..
- ثم النظر في عواقب هذا الفعل، أين اللذة؟؟
ذهبت وبقيت -والله- الحسرة، وبقيت العقوبة، وبقيت الالآم كبيرة بسبب هذا الفعل، فاللذة ذهبت وتلاشت، الذين أطلقوا لنظرهم العنان، أين لذاتها اليوم؟؟
لكن، الشيطان يغلق هذا الباب على الإنسان، ويسد بصيرته. فتفّكر قبل أن تُطلق بصرك أن لك عدوًّا يتربص بك بعدد أنفاسك؛ ليوقعك في مصائده، ويجرك إلى الهاوية.
قال ﷺ: “ومن يستعفف؛ يُعفه الله”. ‘²’
وقال ﷺ: “المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ” ‘³’
كذلك من الأمور المُعينة والمُهمة:
- الإكثار من النوافل؛ الصيام، الذِّكر، الصدقة، وغيرها من الأعمال الصالحات، مع المحافظة على الفرائض؛ فهي سببٌ لمحبة الله عز وجل لعبده، فإذا أحبَّ الله العبد؛ حفِظ جوارحه عن الحرام.
قال الله عز وجل في الحديث القدسي: من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن رسول الله ﷺ قال: “قال الله تعالى: مَن عادى لي وليًّا؛ فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته؛ كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها. ‘⁴’
وتذكّر أن قدْرك عند الله: هو قدر الله عندك، فهل هذا قدر الله عندك؟؟ فإذا خلوت وأحكمتَ إغلاق الأبواب؛ تفّكر، أهذا هو قدرُ الله عندك؟؟ ألا تُبالي بنظر الله عز وجل إليك؟؟ ولا باطلاعهِ وعلمهِ بك؟؟
فلا تجعل الله عز وجل أهون الناظرين إليك.
واستحضر العواقب الحميدة لغض البصر: فمنها: نور البصيرة؛ فمن غض بصرهُ عن الحرام؛ نوّر الله بصيرته، ورزقهُ العِلم والفهم.
ومن فوائد غض البصر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “غض البصر من أسباب رزق العلم”. ‘⁵’
تستطيع أن تجعل هذا الأمر نقلة نوعية في باب الأمان والهِداية، كيف ذلك؟؟
فهمُ هذا الابتلاء والاختبار تحدٍّ لك، المعنى: غض البصر، أو المُجاهدة، افهم أن هذا تحدٍّ لك وابتلاء، وأن عاقبته حميدة إذا نجحت فيه، إن استطعت أن تُحافظ على عفتِك وتغض بصرك في هذا الزمان الذي انتشرت فيه المُحرمات وعظُمت فيه التحديات، فأنت بذلك تستجلب ولاية الله عز وجل ومحبته، وتطرق باب الهِداية الذي هو من أوسع الأبواب التي تصبّرِك عن هذه المُحرمات.
تخيّل عندما تقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، ويكون في صحيفتك أنكَ عِشتَ من الشهواتِ والفتن، ولم يكن بينك وبينها إلا ضغطة زر، أنك قد تعففت وحفظت بصرك، وعشت حياة عفيفة، ولم تقع عينك على صور مُحرمة ولقطاتٍ ومقاطع إثم.
أسال الله العظيم ربّ العرش العظيم، أن يُعيننا جميعًا على غض أبصارنا عن الحرام، وأن يسلك بنا سُبُل مرضاته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
‘¹’ ابن القيم.
‘²’ (البخاري ومسلم).
‘³’ رواه الترمذي مختصرًا.
‘⁴’ (رواه البخاري).
‘⁵’ (مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٥٧).










