الهجرة: موقف ثبات، واختبار إيمان، وتحدي استسلام.

|

جاء الأمر بالهجرة تحقيقًا لحفظ المسلم على دينه، كما أشار إليه قوله تعالى:

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56].

قال ابن كثير رحمه الله: “هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدِّين، إلى أرض الله الواسعة؛ حيث يمكن إقامة الدِّين”.

كانت الهجرة إلى الحبشة أول هجرة في الإسلام بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث واجه أتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم صورًا من العذاب والتنكيل والتضييق لمخالفتهم قومهم في دينهم؛ فلجأ هؤلاء المؤمنون إلى الخروج من أرضهم وديارهم طلبًا للأمن في الدِّين.

وقد أشار بعض المفسرين إلى أن المراد من قول الله تعالى:

 ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾  [النحل: 41]

هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين ظلمهم المشركون بمكة، امتثل الصحابة رضوان الله عليهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة، بتطبيقهم الفوري لأوامره دون تردد، حيث أظهروا تسليمًا مطلقًا وطاعة كاملة للإيمان، وكانوا يبادرون لتنفيذ الأوامر فور سماعها، حتى وإن كان فيها تضحية كبيرة أو كان الأمر صعبًا.

لقد أظهروا سرعة في الامتثال؛ حيث كانوا يسارعون لتطبيق الأوامر فور وصولها إليهم دون تأخير أو تذرع.

من سمات الامتثال لدى الصحابة رضوان الله عليهم:
تسليم تام للإيمان: كانوا يسلمون أمر الله ورسوله تسليمًا كاملًا. فمعنى الامتثال ليس مجرد طاعة شكلية، بل هو إيمان قلبي كامل وتسليم مطلق لأوامر الله ورسوله.

المبادرة والسرعة: كانوا يبادرون لتنفيذ الأوامر بسرعة، وكانوا يتسابقون إلى فعل الخير دون تردد أو انتظار. وهذا يدل على قوة إيمانهم وحرصهم على رضا الله ورسوله.

التضحية من أجل الأوامر: كان الصحابة رضوان الله عليهم مستعدين للتضحية بكل شيء في سبيل الامتثال لأوامر الرسول، حتى لو كانت خسارتهم كبيرة في نظرهم. هذا يوضح مدى التضحية التي كان يتحلون بها.

مثلت الهجرة إلى المدينة النبوية منعطفًا كبيرًا في مسيرة الإسلام الدعوية والحركية؛ فلماذا هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة؟ وما دوافعهم في ذلك؟ وما الظروف التي أحاطت بهجرتهم من مكة إلى المدينة؟

إن المتأمل لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما قُصَّ عليه من سير الأنبياء، يجد أن مغزى البعثة والرسالة هو إقامة الحجة الكاملة على الأمة المرسل إليها.

ومن متطلبات هذه المهمة قيام الرسول بين ظهراني قومه يدعوهم ويبيّن لهم ويبلغهم ويحيطهم بنصحه وتوجيهه، وأن يتحمل ويصبر إزاء ما قد يقابله من أذى قوليٍّ أم فعليٍّ، مادي أم معنوي، طالما أن هذا الأذى داخل في قدرته وطاقته البشرية؛ لأن من طبيعة تغيير المجتمعات وإصلاحها أن يكون هذا التغيير مكلفًا وصعبًا وبطيئًا في التأثير.

لقد كانت الهجرة النبوية من مكة المشرفة إلى المدينة النبوية حدثًا تاريخيًّا عظيمًا، ولم تكن كأي حدث؛ فقد كانت فيصلًا بين مرحلتين من مراحل الدعوة الإسلامية، هما المرحلة المكية والمرحلة المدنية،

وإذا كانت عظمة الأحداث تقاس بعظمة ما جرى فيها والقائمين بها والمكان الذي وقعت فيه، فقد كان القائم بالحدث هو أشرف وأعظم الخلق، رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مكان أشرف وأعظم من مكة والمدينة.

وقد غيرت الهجرة النبوية مجرى التاريخ، وحملت في طياتها معاني التضحية والصحبة، والصبر والنصر، والتوكل والإخاء، وجعلها الله طريقا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته.

 قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].

لقد كانت الهجرة النبوية انطلاقة لبناء دولة الإسلام، وإعزازًا لدين الله تعالى، وفاتحةَ خير ونصر وبركة على الإسلام والمسلمين؛ ولذا فإن دروس الهجرة الشريفة مستمرة لا تنتهي ولا ينقطع أثرها، وتتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل.

تركت الهجرة النبوية المباركة آثارًا جليلة على المسلمين، ليس فقط في عصر النبوة، ولكنها امتدت لتشمل حياة المسلمين في كل عصر ومصر، كما أن آثارها شملت الإنسانية عامة؛

لأن الحضارة الإسلامية التي قامت قدمت وما زالت تقدم للبشرية أسمى القواعد الأخلاقية والتشريعية التي تنظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع.

فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تحد آثارها بحدود الزمان والمكان؛ لأنها سيرة القدوة الطيبة والأسوة الحسنة. قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة