السلام عليكِ ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أكتب إليكِ لأوصيكِ، راجيةً من الله أن يرضى عني وعنكِ، وينفعكِ بهذه الوصيّة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ الله حَيثُما كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخَالِقِ الناسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»’¹’
الفتن كثيرةٌ في زمننا هذا، تذيب قلب المؤمن، وتبقيه قابضًا على الجمر؛ فكان بإمكاني أن أتناول إحداها، وأنصحكِ بشأنها، ولكني رأيت أن مِلاكَ ذلك كله، ورأسَه، هذا الحديثُ العظيم؛ فأنتِ إن اتّبعته حزتِ الخير كله.
ثم أذكرك بما قاله شيخُ الإسلام ابن تَيميَّة رحمه الله، في سجنه: «ما يصنعُ أعدائي بي؟ أنا جَنَّتي وبُستاني في صدري، أينما رُحت فهي معي لا تُفارقني. إِنَّ حبسي خلوةٌ، وقتلي شهادةٌ، وإخراجي من بلدي سِياحة».’²’
ذكرتُه، لتبهركِ معانيه، وتنير لكِ شيئًا من البصيرة، وتشعل همتكِ، وتحثُّكِ بقوةٍ على أن تقوليها يومًا ما من قلبٍ صادق، وبملْءِ فِيكِ! فإن بلغتِ ذلك المبلغ، فأستودعكِ الله، ثم لا أخشي عليكِ الفتن طالما مسَّكْتِ بالكتاب والدعاء.
اسعي لتكون جنتك في صدركِ، أينما رحتِ، ومهما واجهتِ ولاقيت، هي معكِ لا تُفارقك، في قلبك، شجرةٌ أصلها غاية خلقك، لا تريدين سوى رضا ربكِ، ولا تعملين إلا لوجهه، فَرع تلك الشجرة في السماء، تؤتي أٌكُلها كل حينٍ تذكِّرُكِ وتقيمكِ إن اعوججت. واسعي ليكون ربيع قلبك القرآن، مؤنسكِ وصاحبكِ.
«إن حبسي خلوة» سُبحان الله، حبسُه خلوة، فكيف هي خلوته!
وأنتِ كيف هي خلوتكِ؟ تحبينها، تطيعين فيها، تتقين ربكِ، وتكون طاعاتها جسركِ إلى حلاوة الإيمان، وتفرحين باعتزالكِ البشر لتختلي في محرابكِ تتعبّدين ربَّهم، وتقوّي فَرع إيمانكِ لبيلغ عنان السموات؟
أم أن خلوتكِ معصية، وآيةُ نفاق، تتناسين فيها أن الذي خلقك يراكِ، وتستحيين من مخلوقاته الضعيفة الناقصة المحتاجة، تستحين علنًا، وسرًّا لا تستحين من خالقها؟ أعيذكِ بالله.
إن كانت خلوتك هي الأولى فهنيئًا لكِ، وإن كانت الثانية، فتفقّدي قلبكِ، وصحِّحي بوصلتكِ، توبي لربكِ، واهجري المعصية هجرًا لا رجوع فيه، فلا ترتدي على عقبيكِ من جنة الطاعة والذلّ والخضوع للرب، إلى موطن الكفر والخنوع للهوى.
«وقتلي شهادة»، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيَدِه، لودِدْتُ أني أقاتلُ في سبيل الله فَأُقتَلُ، ثم أُحيا ثُم أُقتَلُ، ثُم أُحْيا ثُم أُقْتَلُ، ثم أُحيا ثُم أُقتَلُ»’³’.
النساء غير مأمورات بالخروج إلى ساحة المعركة والجهاد فيها؛ فثغركِ ليس هناك، ثغركِ في بيتكِ يا مَصونة، أنتِ إن صلحتِ صلح المجتمع، وإن فسدت فسد، أفتدركين عظم دوركِ وتكليفك؟ رابطي على ثغركِ، وخذي الكتاب بقوة، وربّي أجيالًا تأخُذُه بقوة وتعمل بما فيه، أجيالًا تكون لكِ أجورًا لا تنقطع بإذن الله.
ثم إن ساحتكِ أكبر من ذلك؛ فلديكِ ثغور أخرى كثيرة، وفرص ثمينة، كجهاد القلم والكلمة، والقدوة الحسنة، والأثر الطيب…
أعلم رغبتكِ العارمة بنيل أجر الشهادة ومنزلتها الرفيعة؛ فاقرئي هذا الحديث، وأبشري: عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن سأل الله الشهادةَ بصِدقٍ، بَلَّغَهُ الله منازلَ الشهداء، وإنْ مات على فراشه».’⁴’
فالحمد لله، واسع الكرم، كثير النعم، الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير.
«وإخراجي من بلدي سياحة»، لا صنم أرض، لا صنم وطن، لا صنم أعراق، لا صنم جنسيات… ما هويتك؟ هويتي مسلم.
أي مسلم أينما كان أخٌ لنا، مجتمعون على الإسلام والنصرة، والولاء والبراء، لا ننصر من ينتمون لنفس بقعتنا الجغرافية فقط، بل كل مسلم نذود عنه وندافع ولا نسمح بمساس روحه وماله وعرضه، ونتفطن لمساعي الغرب في تشتيتنا وتفريق كلمتنا وإضعافها وتأليب بعضنا على بعض.
لا تنسي إخوانك المسلمين، أحبي لهم الخير، واسألي الله قلبًا مخمومًا، لا غل فيه ولا حقد ولا حسد، فيه حب الخير والصلاح للمسلمين. انصريهم بما تقدرين عليه، وجاهدي لتَصلحي فتصلح أمة بإذن الله.
اعتزّي بدينك، وطبقي أوامره، واجعليها خطًّا أحمرَ! فلا تتساهلي إن رأيتِ منكرًا، أو تخجلي من النصح، ولا تأكلي لحم أختك، إن خيض في مجلس غيبةٍ واستمعتِ، ولم تشاركي، فهذا لا يخرجكِ من دائرة الإثم؛ انهيهنّ وعظيهنّ.
وإن استُهزأ بالدين وشعائره أو الصالحين، كما هو منتشرٌ في كثيرٍ من مواقع التواصل على شكل طُرفٍ وبحجة التسلية، فتفقدي قلبكِ إن لم يغلِ دمُكِ غضبًا! وامتثلي أمرَ الله جل جلاله:
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.
صاحبي الصالحات، واقتدي بهن، وأكثري من قراءة القرآن، القرآنَ القرآنَ!
واقرئي في سير أمهات المؤمنين والصالحات، وقلّديهن وانتهجي نهجهنّ، وضعي نصب أعينكِ شعار:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
‘¹’ سنن الترمذي.
‘²’ الوابل الصيب من الكلم الطيب.
‘³’ متفق عليه.
‘⁴’ رواه مسلم.










