هل الإسلامُ يحرِّمُ الفرَحَ، ويدعو إلى الاكتئابِ؛ بتحريمِهِ للموسيقى والمعازِف؟ولماذا يحرّم العلاج بالموسيقى وقد أثبت العلم فعاليته؟

|

يسير الإنسان في هذه الحياة مُثقلًا بضعفه الفطري؛ ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، كيف لا وهذا الضعف في أصل خلقته كما قال تعالى:

﴿…وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَـٰنُ ضَعِیفࣰا﴾

والله عز وجل هو الأعلم بعباده وقلة حيلتهم، وكيف أنهم بقلوبهم الهشة لا يقوون على مجابهة خطوب الحياة، ونوائب الدهر، وابتلاءات السنين الطوال.

فأنزل الشريعة الحنيفية السمحة؛ لتخفف عنهم عبئهم، ولتريهم حقيقة الدنيا، ولتبصرهم بما خُلِقوا لأجله، ولتُهذِّب هذا الضعف والانكسار إلا بين يدي الجبار المتعال، ولتؤنس هذه الوحشة برب قادر قوي متكبر يدبّر أمورهم، ويتكفل برزقهم، ويبشرهم بجنته؛ جزاء صبرهم.

ووَضعت الشريعة للإنسان المنهج الرباني الذي لو سار عليه كانت معية الله تحفّه من كل جانب، في عسره ويسره، وكلما التزم المخلوق بهذا المنهج، واقترب من مولاه؛ كلما عانقت روحه عنان السماء، وتجرّدت من حولها وقوتها إلى حول خالقها وقوته، وعاش عزيزًا كريمًا مستقوٍ بربه، إن أصابته ضرّاء صبر، وإن أصابته سرّاء شكر، وأمره كله خير.

والراحة والاتزان النفسي اللذان تتوق إليهما النفس البشرية يتحققان للعبد المسلم بعدة أمور، جِماعها في: الإيمان، وعمل الصالحات، واجتناب الكفر والمعاصي والسيئات، والصبر على ملمات الحياة، والطمع بمغفرة الرب المنان، والسعي للفوز بجنان الرحمن.

وبخلاف هذه المسلّمات والعمل بها يكون نصيب العبد من الوحشة وضيق الحال. ومصداق ذلك قول الباري عز وجل:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه - ١٢٤].

“أي: ضنكًا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج؛ لضلاله، وإن تنعَّم ظاهره ولَبِس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكنَ حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: الشقاء”. ‘¹’

وبعد هذا، يخرج علينا أقوام ضالون مُضلِّون يجعلون مما حرمه الله وسيلة وطريق للوصول للراحة وانشراح الصدر وزوال الهم! فيُروّجون لما يسمونه “العلاج بالموسيقى”؛

وهو نوع من العلاج، يستخدم الموسيقى؛ زعمًا في مساعدة الأشخاص الذين لديهم احتياجات متنوعة، مثل: الاحتياجات الجسدية، والعاطفية، والذهنية، والاجتماعية، وللتقليل من القلق والضغوطات.

والأصل في الإسلام: حرمة الانتفاع والتداوي بالمحرمات؛ لنهي النبي ﷺ عن الدواء الخبيث، وقد روى أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال ﷺ: 
“إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء؛ فتداووا، ولا تداووا بحرام”. ‘²’

ولهذا؛ فلا يجوز التداوي بالحرام، إلا في حالة الضرورة وعدم وجود البديل المباح، وهذا في باب الضرورات التي تبيح المحظورات فقد قال الله تعالى: 

﴿…وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَیۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَیۡهِۗ…﴾ [الأنعام ١١٩]

وكما هو معلوم أن البدائل الحلال كثيرة ويسيرة، فليس هناك ما يبيح استخدام الموسيقى المحرمة في العلاج، وليس هناك خلاف على حرمة الموسيقى.

قال النبي ﷺ: “لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”.

قال الألباني في تخريجه للحديث: علّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، وصحّحه من العلماء: شيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهم، ورَدَّ على ابن حزم في تضعيفه للحديث.

ولمن يقول أن الإسلام يُحرِّم الفرح، ويدعو إلى الاكتئاب؛ بتحريمه الموسيقى، نقول:

وهل تحريم الموسيقى يعني تحريم الفرح؟! ولماذا ربطتم الفرح بالموسيقى فقط؟! وجعلتموها الطريق الوحيد الموصل إليه!

والإسلام لا يدعو إلى الاكتئاب إطلاقًا، ولم نجد في القرآن الكريم ولا السنة المطهرة ما يُثبت ذلك أو يشجع عليه، بل على العكس تمامًا؛ فالشريعة التي اختارها الله لعباده الموحدين تسمو بأرواحهم إلى معالي الأمور وطيّباتها؛ فتُحِلُّ لهم كل ما فيه نفع ورفعة وفائدة، وتُحرِّم عليهم كل ما يسوؤهم ويشينهم.

وقد قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].

وكان نبينا وحبيبنا ﷺ مُتفائلًا في كل أموره وأحواله؛ في حِلّه وترحاله، في حربه وسِلمه، في جوعه وعطشه. وفي صحاح الأخبار دليلُ صدقٍ على هذا؛ إذ كان ﷺ في أصعب الظروف والأحوال يُبشِّر أصحابه بالفتح والنصر على الأعداء.

ومن الدعاء المأثور عن الرسول ﷺ: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل”، وهذه الأربعة من أعراض الاكتئاب.

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: “ما أصاب أحداً قط همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهبَ الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فَرَجًا.

قال: فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها”. ‘³’

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: “دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: “لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين” فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له”. ‘⁴’

ولكن، هل عَلِم هؤلاء أن الموسيقى يمكن أن تؤدي إلى الاكتئاب؟ وبشهادة العلم الذي ينادون به!

ولفهم هذا: يجب أن نفهم كيف تؤثر الموسيقى على الدماغ عمومًا.

الموسيقى تؤثر على:

  • الدوبامين (هرمون المكافأة والبهجة).
  • الكورتيزول (هرمون التوتر).
  • مناطق الذاكرة والانفعال.

وعلى سبيل المثال: عند الإفراط في الاستماع إلى موسيقى حزينة جدًا؛ تُنشَّط مناطق مرتبطة بالعواطف العميقة، وقد تؤدي إلى:

  • زيادة إعادة التفكير في المشاكل بشكل مؤلم.
  • غرق أعمق في الحزن.
  • تضخيم الشعور بالوحدة.

وبعض الدراسات تذكر أن الأشخاص المكتئبين يميلون لاختيار موسيقى تزيد حالتهم سوءًا.

أو عند استخدام الموسيقى كوسيلة هروب إذا كان الشخص يلجأ إلى الموسيقى ليتهرب من: مشكلات حياتية، علاقات مُعطّلة، ضغط نفسي، مشاعر مكبوتة.
قد تمنحه الموسيقى راحة مؤقتة، لكنها لا تحل المشكلة، وقد يؤدي هذا إلى تفاقم الاكتئاب.

كما أن الاستماع المطوَّل لساعات طويلة قد يُضعِف التركيز، ويزيد الانعزال، ويقلّل التفاعل الاجتماعي، كما أنه يربط المشاعر السلبية بروتين يومي ثابت. وهذا كله قد يؤدي إلى زيادة أعراض الاكتئاب.

وهذا ما تؤكده الدراسات والأبحاث العلمية التي تناولت كيف يمكن للموسيقى أن تزيد من الاكتئاب أو تُفاقِمه.

حيث نشرت جامعة ملبورن دراسة بعنوان: (Sad music in depression: How listening styles affect mood)

وكانت نتيجة الدراسة: أن الأشخاص المكتئبون الذين يستمعون إلى موسيقى حزينة لفترات طويلة، يفعلون ذلك من أجل تعميق مشاعرهم السلبية وليس تهدئتها.

يظهر عليهم ما يسمى بـ (maladaptive mood regulation)

أي: أسلوب غير صحي لتنظيم المزاج. وهذا يؤدي إلى زيادة إعادة التفكير المؤلم المستمر، وهو عامل أساسي في تفاقم الاكتئاب.

كما نُشرت دراسة في مجلة (Psychology of Music)
بعنوان: (Music listening and depression: The role of avoidance and rumination)

وكانت نتيجة الدراسة: استخدام الموسيقى للهروب من المشاعر (emotional avoidance) يسهم في: زيادة الانعزال، زيادة الاجترار، فقدان مهارات التعامل مع الضغوط. وهذا يؤدي إلى تفاقم أعراض الاكتئاب بوضوح.

وفي جامعة كاليفورنيا دراسة بعنوان: (Teenagers, music engagement, and depression)

وكانت نتيجة الدراسة: المراهقون الذين يستمعون إلى الموسيقى بكثافة -خصوصًا الحزينة- لديهم احتمالات أعلى للإصابة بالاكتئاب.

الزيادة ليست في السببية المباشرة، بل في الارتباط بالسلوكيات الانعزالية والتهرب العاطفي.

ودراسة في (British Journal of Social Psychology)
بعنوان: (Why depressed individuals listen to sad music)

وكانت نتيجة الدراسة: المكتئبون يفضلون الموسيقى الحزينة؛ لأنها تجعلهم يشعرون بأن مشاعرهم “مفهومة”.

هذا الارتباط العاطفي يخلق دائرة مغلقة: فالموسيقى الحزينة تؤدي إلى مشاعر سلبية أعمق، ثم تؤدي هذه المشاعر إلى رغبة في المزيد من الموسيقى الحزينة.

هذا الغرب الكافر المنسلخ من الدين، لا يعترف بأن هذا الجسد يضم في داخله روح غذاءها سماوي، فيداويها بأدواء أرضية ولا يروي عطشها.

وهذا يلاحظه أي شخص عاقل حين تَثقُل عليه نفسه وتضيق به ذرعًا، فيَخرُج إلى أماكن جديدة، ويجتمع بأناس شتى، ويغير من أنماط حياته، ولكن هيهات أن ينفع ذاك في فكّ كربه.

فيا مُوحِّدون، كيف ترضون بغير ما أحل الله طِبًّا وترياقًا؟!
ولَأنتم أولى بالنور الإلهي والهدي النبوي في علاج أسقامكم وآلامكم، بدل اللهث خلف العلاجات الباطلة المحرمة قصيرة المفعول.

فلا تبحثوا عن الدواء وأنتم غافلون عن أصل الداء، واعلموا أنما أوتيتم من تقصيركم في جناب الله، وبُعدكم عن نور الوحي، وسكركم في ملذات الدنيا.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: “والقلبُ خُلِقَ لمعرفة فاطره، ومحبَّته وتوحيده، والسُّرور به، والابتهاج بحبِّه، والرِّضا عنه، والتَّوكُّل عليه، والحبِّ فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كلِّ ما سواه، وأرجى عنده من كلِّ ما سواه، وأجلَّ في قلبه من كلِّ ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور، ولا لذَّة -بل ولا حياة- إلا بذلك.

وهذا له بمنزلة الغذاء والصِّحَّة والحياة، فإذا فقدَ غذاءه وصحَّته وحياته؛ فالهموم والغموم والأحزان مُسارِعةٌ من كلِّ صَوبٍ إليه، ورَهْنٌ مقيمٌ عليه.

ومن أعظم أدوائه: الشِّرك، والذُّنوب، والغفلة، والاستهانةُ بمحابِّه ومراضيه، وتركُ التَّفويض إليه، وقلَّةُ الاعتماد عليه، والرُّكونُ إلى ما سواه، والسُّخطُ بمقدوره، والشَّكُّ في وعده ووعيده.

وإذا تأمَّلتَ أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها، لا سبب لها سواها. فدواؤه الذي لا دواء له سواه: ما تضمَّنته هذه العلاجات النَّبويَّة من الأمور المضادَّة لهذه الأدواء.

فإنَّ المرض يُزَال بالضِّدِّ، والصِّحَّة تُحفَظ بالمثل.
فصحَّتُه تُحفَظ بهذه الأمور النَّبويَّة، وأمراضُه بأضدادها.

فالتَّوحيد يفتح للعبد بابَ الخير والسُّرور واللَّذَّة والفرح والابتهاج. والتَّوبةُ استفراغٌ للأخلاط والموادِّ الفاسدة الَّتي هي سببُ أسقامه، وحِمْيةٌ له من التَّخليط؛ فهي تغلق عنه باب الشُّرور. فيُفْتَح بابُ السَّعادة والخير بالتَّوحيد، ويُغْلَق بابُ الشُّرور بالتَّوبة والاستغفار.

قال بعض المتقدِّمين من أئمَّة الطِّبِّ: “من أراد عافية الجسم فليقلِّل من الشراب والطَّعام، ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام”.

وقال ثابت بن قُرَّة: “راحةُ الجسم في قلَّة الطَّعام، وراحةُ الرُّوح في قلَّة الآثام، وراحةُ اللِّسان في قلَّة الكلام”.

والذُّنوب للقلب بمنزلة السُّموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بدَّ، وإذا ضعفت قوَّته؛ لم يقدر على مقاومة الأمراض.

قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك:

رأيتُ الذُّنوبَ تميت القلوب … وقد يورث الذُّلَّ إدمانُها
وتركُ الذُّنوبِ حياةُ القلوب … وخيرٌ لنفسك عصيانُها

فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفتُه أعظم أدويتها. والنَّفس في الأصل خُلِقت جاهلةً ظالمةً، فهي لجهلها تظنُّ شفاءها في اتِّباع هواها، وإنَّما فيه تلفها وعطبها؛ ولظلمها لا تقبل من الطِّبيب النَّاصح، بل تضع الدَّاء موضع الدَّواء فتعتمده، وتضع الدَّواء موضع الدَّاء فتجتنبه.

فيتولَّد من بين إيثارها للدَّاء واجتنابها للدَّواء أنواعٌ من الأسقام والعلل الَّتي تُعْيي الأطبَّاءَ ويتعذَّر معها الشِّفاء”. ‘⁵’

“وأنفع الأغذية: غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية: دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء، فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين، فإن الله تعالى يقول:

﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
 وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].

و«مِن» في قوله: ﴿مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ لبيان الجنس، لا للتبعيض.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].

فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به.

وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه؛ لم يقاوم الداء أبدًا.

وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها؟!

فما مِن مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه، لِمن رزقه الله فهمًا في كتابه”. ‘⁶’

“وأمَّا الأدوية القلبيَّة، فإنَّه يذكرها مُفصَّلةً، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها.

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]

فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللَّه، ومن لم يكفه فلا كفاه اللَّه”. ‘⁷’

“عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا جِلاؤُهَا؟ قَالَ: تِلاوَةُ الْقُرْآنِ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَشْكُو إِلَيْكَ قَسْوَةَ قَلْبِي، قَالَ: أَذِبْهُ مِنَ الذِّكْرِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلا سَأَلَ عَائِشَةَ: مَا دَوَاءُ قَسْوَةِ الْقَلْبِ؟ فَأَمَرَتْهُ بِعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ، وَتَوَقُّعِ الْمَوْتِ.

وَشَكَا ذَلِكَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فَقَالَ: أَدِمَنَّ الصِّيَامَ، فَإِنْ وَجَدْتَ قَسْوَةً فَأَطِلِ الْقِيَامَ، فَإِنْ وَجَدْتَ قَسْوَةً فَأَقِلَّ الطَّعَامَ.

وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَا دَوَاءُ الْقَلْبِ؟ فَقَالَ: قِلَّةُ الْمُلاقَاةِ.

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبِْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ الْوَرَثَانِيُّ، قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَزْهَر الميفارقيني، قَالَ سَمِعْتُ فَتْحَ بْنَ شَخْرَفَ يَقُولُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ، قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْقُلُوبَ مَسَاكِنَ لِلْذِكْرِ، فَصَارَتْ مَسَاكِنَ لِلْشَهَوَاتِ، وَلا يَمْحُو الشَّهَوَاتِ مِنَ الْقُلُوبِ إِلا خَوْفٌ مُزْعِجٌ أَوْ شَوْقٌ مُقْلِقٌ.

قَالَ السُّلَمِيُّ وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بن عَليّ بن جَعْفَر، يقَول سَمِعْتُ الأَزْدِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَاص، يَقُولُ:
دَوَاءُ الْقَلْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُرِ، وَخَلاءُ الْبَطْنِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ”. ‘⁸’

وأخيرًا: كلّما تشبّثنا بهذه الفانية وتركنا العمل والتسابق للباقية؛ كلما زدنا شقاءً وتعاسة وخسران، وبارت تجارتنا، وخرجنا من الدنيا مفاليس لم نهنأ بعيشها ولا أعددنا لآخرتنا!

وروى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول:  “مَن جعل الهموم همًّا واحدًا همّ آخرته؛ كفاه الله هم دنياه، ومن تشعّبت به الهموم في أحوال الدنيا؛ لم يبال الله في أي أوديتها هلك”. 

وروى الترمذي عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: “مَن كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له”. 

‘¹’ تفسير ابن كثير.

‘²’ رواه أبو داود.

‘³’ زاد المعاد في هدي خير العباد – ابن القيم.

‘⁴’ ذم الهوى – ابن الجوزي.

‘⁵’ رواه أحمد ( 3704 )

‘⁶’ رواه الترمذي ( 3505 )

‘⁷’ زاد المعاد في هدي خير العباد.

‘⁸’ شرح العقيدة الطحاوية – ابن عبد العز.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة