الصيام عبادة وفريضة من أجل العبادات وركن لا يتم إسلام المرء إلا به، وهو شهر عظيم تسمو به الأرواح وتحيا به وبطاعات أيامه ولياليه القلوب، هو شعار المتقين وميدان مسابقة الصالحين ومحراب المقبلين التائبين.
يُهذب النفس المسلمة ويسمو بها نحو السماء بترك شهواتها المعتادة رغبة بالثواب وتدريبًا لها على الصبر في طاعة الله والسعي في مراضيه.
ولم يكن رمضان عند السابقين الأولين -خير الامة وساداتها- جهادًا للنفس وحبسًا لها عن الشهوات فحسب، بل كان وقودًا لنفوسهم العظيمة ودافعًا لها لمجاهدة أعداء الدين ودحرهم ورد شرورهم.
رمضـانُ يـا شـهـرَ البـطولاتِ التـي
خُـلِـدَتْ بـنـورِ الحقِّ والأقـدامِ
صـمـنـا النـهارَ ونـحـنُ نـحـمـلُ بـندَنـا
ونـخـوضُـهـا بـعـزائـمِ الـضَّـرغـامِ
فقد ارتبط رمضان في تاريخنا الإسلامي العظيم بالجهاد والفتوحات الإسلامية، فهو الدافع للعبادة، والجهاد من أعظمها، فرمضان شهر الجهاد بمعناه العام، من جهاد النفس والمال والعدو وغيره…
فتراهم يسارعون في هذا الباب، باعوا نفوسهم لله والله اشترى! قال عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
كـنَّا جـبـالاً فـي الجـبالِ وربَّـمـا
سِـرْنَا علَى مـوجِ البحارِ بحارَا
بـمعـابدِ الإفـرنـجِ كـان أذانُـنـا
قـبـلَ الـكـتـائبِ يـفـتـحُ الأمـصـارَا
لـم تَنْـسَ إفـريـقـيا ولا صـحـراؤُها
سـجْداتِـنـا والأرضُ تقذفُ نـارَا
كـنَّا نـقـدمُ للـسـيـوفِ صـدورَنـا
لـم نَـخْـشَ يـومًا غـاشـمًا جـبَّـارَا…
“فالجهاد في سبيل الله ذروة سَنام الإسلام، وبه تُنال العزة في الدنيا والآخرة، وهو من أفضل الأعمال وأجلِّ القربات، والصيام مصدرُ قوة روحية تدفع إلى العمل، وعبادة فرضها الخالق لكي تمدّ العبد المؤمن بالروح الفتية والعزم القوي،
ولذلك ارتبط شهر رمضان بالجهاد، فلم يكن الصيام دافعًا للتقاعس والتثاقل، بل على العكس كان دافعًا لمضاعفة العمل والعبادة”.
ففي مثل هذا الشهر العظيم سطرت نفوسهم العزيزة انتصارات إسلامية عظيمة، كان أولها معركة بدر الخالدة في السنة الثانية للهجرة عندما خرج الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه مع الجيش ليعترضوا قافلة قريش فالتقى الجمعان وانتصر المسلمون بفضل الله وكرمه على الرغم من قلة العدد والعتاد.
وفتحت مكة في هذا الشهر العظيم في السنة الثامنة للهجرة، وتطهرت من براثن الأوثان والشرك، وصدح المسلمون فيها بالتكبير، فجعل الله لهم بكرمه فتحًا مبينًا أعز فيه الإسلام وأذل فيه الشرك والمشركين،
فأنارت جنبات مكة بالتوحيد وانتهى عهد الشرك والطغيان ودخل الناس بعدها في دين الله أفواجًا، فكان لهذا الفتح أثر لا يزول في تاريخ البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور.
وفي هذا الشهر المبارك فتحت الأندلس سنة 92 هـ بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، فكانت كعروس تزينت بالتوحيد وبابًا لدخول الناس في الإسلام.
وفيه في سنة 31 هـ فتحت بلاد النوبة، وهي حملات عسكرية إسلامية بدأت في عهد عمر بن الخطاب (21 هـ/641 م) بقيادة عقبة بن نافع لتأمين حدود مصر الجنوبية، وواجهت مقاومة شديدة من النوبيين (رماة الحدق).
توجت الجهود بفتح حقيقي ومعاهدة “البقط” الشهيرة عام 31 هـ/651 م في عهد عثمان بن عفان، بقيادة عبد الله بن أبي السرح.
وفي سنة 223 هـ فتحت عمورية التي كانت بين الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية.
وفيه في سنة 658 هـ كانت معركة عين جالوت حيث استطاع المسلمون فيها هزيمة التتار للمرة الأولى منذ اجتياحهم البلاد الإسلامية، وكانت هذه المعركة بقيادة سيف الدين قطز.
وفي رمضان سنة 702 هجرية كان فتح شقحب ضد التتار، التي شارك فيه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.
وفي رمضان سنة 829 هجرية كان فتح قبرص في عهد المماليك.
وهكذا توالت الفتوحات المنيرة في هذا الشهر العظيم. فهو شهر الجهاد والقتال لا الراحة والدعة وملء الكروش والتكاسل عن الطاعات.
هو شهر الله العظيم الذي مُكن فيه للدين وعلت فيه راية التوحيد بالجهاد في سبيل الله وبذل الأموال والأرواح في ذلك.
“وقد جعل الإسلام الجهاد شرفًا لا يطاوله شرف آخر، ومن لم ينل هذا الشرف، فعليه على الأقل أن يكون قد تمنى نيله، وإلا مات على شعبة من النفاق، كما قال صلَّى الله عليه وسَلَّم: «من مات ولم يغزُ ولم يحدثْ نفسَه بالغزو مات على شعبة من النفاق»”.
«وارتباط الجهاد عمومًا بشهر رمضان هو ارتباط بين رفيقين ارتباط تآلف وموافقة لا ارتباط تنافر أو مصادمة؛ فرمضان صومه لا رياء فيه، وكذلك الجهاد لا رياء فيه، ورمضان صيامه صبر على تحمل المشقة، وكذلك الجهاد صبر على تحمل المشقة.
ومن أجل هذا كان الصوم تدريبًا على الجهاد، بل إنه أحد العوامل الحاسمة في اختيار الرسول لقادة جيوشه، إذ يروى أن الرسول صلَّى الله عليه وسَلَّم قد أرسل جماعة من أصحابه لغزو فاختلفوا ورجعوا قبل أن يغزوا،
فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم غضب وقال: “ذهبتم جماعة وجئتم متفرقين، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع وأصبركم على العطش”.
فالصوم والجهاد رفيقان، فلا عجب أن يحفل رمضان بمثل هذه الانتصارات والفتوحات والمعارك التي حولت مجرى التاريخ».
فجاهد نفسك في هذا الشهر العظيم، وجاهد عدوك بالكلمة والمال والنفس، فباب الجهاد واسع فلا تحرم نفسك من الدخول فيه، وإن لم تستطع ذاك فلا أقل من أن تحدث نفسك به لتسلم من النفاق، نسأل الله العفو العافية لنا ولكم.
يا إخوتي أهل العقيدةِ ما لكم
وسبيلَ أهلِ الغيِّ والأقوال!
أوَ قد ظننتمْ أن تنالوا عِزَّةً
بِسلامةٍ تدعوا إلى الإذلال؟!
أم قد ظننتم عِزَّ دينِ مُحمَّدٍ
يأتي بأقوالٍ بغيرِ فِعال؟!
هل دولةُ الإسلامِ تأتي بغتةً
مِن كافرٍ بالخالقِ المُتعال؟
هل ترتجون من اللصوصِ شهامةً
لِحمايةِ الأعراضِ والأموال؟
عجباً لقومٍ يطلبون وضوءهم
بالخمرِ لا طُهراً بماءِ زُلال!
عجباً لقومٍ يطلبون طهورهم
بحظائرِ الخنزيرِ والأوحال!
عجباً لقومٍ يطلبون الشهد مِن
بطنِ الذبابِ وخِسةِ الأزبال!
عجباً لقومٍ يطلبون الشاة مِن
بينِ الذئابِ هدية كوصال!
لا يردعُ الذئبَ اللئيمَ سِوى العصا
والسيفُ يمحو حيلةَ المُحتال…










