“يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا”.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
العيد في الإسلام مظهر من مظاهر الفرح بفضل الله ورحمته، وفرصة عظيمة لصفاء النفوس، ووحدة الكلمة، وتجديد الحياة، وهو لا يعني أبدًا الانفلات من التكاليف، والتحلل من الأخلاق والآداب، بل لا بد فيه من الانضباط بالضوابط الشرعية والآداب المرعية.
أيها المسلمون، شرع الله لكم الفرائض وأنزل إليكم الأحكام، لها شروط وأركان. وكما كان صيام رمضان عبادة، فالفرح بالعيد عبادة، وكما تميز رمضان عن كل الشهور، مُيز يوم العيد عن كل الأيام.
ففي الفرح بالعيد اقتداء وبه أحاديث وآثار ونحن هنا في صدد ذكر بعضها لنقتدي ونهتدي، لتعود الأسرة المسلمة إلى تمييز يوم العيد وإظهار الفرح والسرور والتهليل والتكبير فيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ”.’¹’
ورحب الحبيب المصطفى بإظهار الفرح فيه في بيته؛ فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: “دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان بغناء يوم بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشّيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: دعهما، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا”.’²’
وامر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا جميعًا إلى المسجد ليشهدوا صلاة العيد، صغارًا وكبارًا، فتياتٍ وفتيانًا… فهي عبادة مأجورون عليها ويسعد بها من شهدها، ففيها المؤاخاة بين المسلمين وفرحتهم واجتماعهم.
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ فِي الْعِيدَيْنِ، يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ”.
وليميز يوم العيد عن يوم الصيام فكان من السنة أن تأكل تمرات قبل الخروج للساحات، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ”.’⁴’
وعند عودتك من الصلاة خالف طريق ذهابك لتستمتع وتكبر وتهلل وترى جموع المسلمين فتسعد لسعادتهم، لحديث جابر: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ العِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ”.’⁵’
ويظهر المسلم فرحه باغتساله واستقباله هلال شوال، ولبسه أجمل الملابس وتطيبه، وكذلك المسلمة تغتسل وتلبس أجمل الثياب في المنزل، وعند خروجها للصلاة تخرج بكامل سترها وحيائها دون تطيب أو تزين. وهذا لما أقر به النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بالاغتسال ولبس أجمل الثياب.
والتهنئة بالعيد من العادات الحسنة؛ فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يهنئون بعضهم البعض بقول: “تقبل الله منا ومنك”.
وإظهار السرور والفرح في الأعياد من شعائر الدين؛ فلا بأس من اللعب واللهو المباح، وفعل كل ما يُدخل البهجة في النفوس، مع مراعاة الحدود الشرعية، من غير إفراط ولا تفريط، فقد قدِمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ المدينةَ ولَهُم يومانِ يَلعبونَ فيهِما فقالَ: ما هذانِ اليومانِ؟ قالوا: كنَّا نَلعبُ فيهِما في الجاهليَّةِ فقالَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: قد أبدلَكُمُ اللَّهُ بِهما خيرًا منْهُما: يومَ الأضحى ويومَ الفِطرِ.’⁶’
نصيحتي لك أختي المسلمة: اجعلي يوم العيد حدثًا مختلفًا، زيني المنزل وضعي البلالين الملونة، اجلبي بعض الألعاب والهدايا، واصنعي الكعك والحلوى، وارفعي صوت التكبيرات؛ فهذا ما يجب الاحتفال به وتعظيمه. وكل ما تفعلينه من إدخال السرور تؤجرين عليه بإذن الله.
مقالنا عن العيد كان فيه من الأحاديث والآثار ما يكفي لتعلم أيها المسلم أن الفرح والسرور في عيدك واجب وعبادة تؤجر عليها، وأن شرعك به من السعادة ما يكفيك، فلا تحتاج إلى اتباع الهوى واتباع اليهود والنصارى في أعيادهم، ولا أن تتخذ أيام الأوثان عيدًا، فاحفظ نفسك وأهل بيتك من هذه الفتن التي تحيط بالمسلمين.
لا تكن إمعة، وافتخر بما آتاك الله واجعل عزتك في دينك. واعلم أن الأعياد توقيفية؛ أي أنها من عند الله وليست من البشر، فلا تتبع كل من شرع عيدًا، سواء كان لأرض أو لقوم أو لفئة.
لأن الله سبحانه وتعالى يأتي بالخير، فلما شرع لك عيدًا شرعه عامًّا لكل المسلمين وليس خاصًا لفئة معينة.
ثبتنا الله وإياكم على الحق وتقبلَ منا ومنكم.
‘¹’ رواه مسلم.
‘²’ رواه البخاري.
‘³’ متفق عليه.
‘⁴’ رواه البخاري.
‘⁵’ رواه البخاري.
‘⁶’ هداية الرواة.










