رمضان… مدرسة الصّيام

|

ها هي الأيام مقبلة علينا تحمل في طيّاتها بشائر الخير، وتمهّد الطريق لضيفٍ كريم، من أحسن استقباله فقد فاز، ومن أعرض عنه أو فرّط في حقه فقد خاب وخسر، ورغم أنفه.

صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر يومًا فقال: آمين، آمين، آمين. فلما نزل سُئل عن ذلك، فقال: أتاني جبريل فقال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يُغفر له، قل آمين، فقلت آمين، ورغم أنف امرئ ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليك، قل آمين فقلت آمين، ورغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يُغفر له، قل آمين فقلت آمين”.’¹’

إنه شهر رمضان، وما أدراك ما رمضان؟ خير غائب منتظر، وحبيب تشتاق له القلوب.

ومع ذلك فإن كثيرًا من المسلمين لا يتعاملون معه إلا بوصفه امتناعًا عن الطعام والشراب والمفطرات، بل صار الصيام عند كثير منهم عادة مكررة، لا عبادة مقصودة، وغاب عنهم أن رمضان ركن ركين ومدرسة كبرى تصوغ الإنسان من جديد، وتغرس فيه معانٍ سامية تمسّ روحه وأخلاقه وسلوكه وعلاقته بربه وبالناس، وتعلّمه معاني التوحيد لله ربّ العالمين.

وأعظم ما يتعلمه المسلم في هذه المدرسة هو التقوى والعبودية الخالصة لله تعالى؛ فقد شرع الله تعالى الصيام ليكون طريقًا إلى مراقبته وتقواه، فقال:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١۸٣].

وجعل ثوابه خاصًّا به، ففي الحديث القدسي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله عز وجلّ: الصّوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي”.’²’

فالصيام عبادة سرّية لا يطلع عليها إلا الله، ومنع النفس عن الشهوة في الخلوة قبل الجلوة دليل صدق وإخلاص وتربية عميقة على الخوف من الله ورجاء ما عنده، وفيه كمال الاستسلام لأمره والانقياد له وحده، وفي هذا تترسخ معاني توحيد الألوهية، فلا معبود بحق إلا الله.

ويعلّم الصيام كذلك الصبر وضبط الأخلاق وكظم الغيظ؛ إذ لا يقتصر الامتناع فيه على الطعام والشراب، بل يمتد ليشمل اللسان والجوارح والمشاعر.

فقد أرشد النبي ﷺ الصائم إلى الحلم والسكينة، وأمره أن يذكّر نفسه بصيامه إذا تعرّض للأذى، ليبني في داخله قدرة على التحكم في انفعالاته، فلا ينجرّ إلى ما لا يرضي الله، ويخرج من رمضان بخلقٍ أسمى ونفس أهدأ.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الصيام جنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم”.

ومن دروس الصيام تحرير الإنسان من أسر العوائد والشهوات، فالإفراط في الطعام يقسّي القلوب ويثقّل الأرواح، وعندما يقلّ الطعام يخفّ الحمل عن الجسد، وتصفو الروح، ويضعف سلطان الشيطان، وتقوى دوافع الإيمان، ويجد الجسد في الصيام راحة وشفاء وتوازنًا، فيتحقق فيه نفع الدين والدنيا معًا.

كما يوقظ الصيام الشعور بقيمة النعمة، فيتذكّر الصائم أحوال الفقراء والمحرومين، ويقوده ذلك إلى الشكر والبذل والرحمة؛ فتقوى روابط المجتمع، وتترسخ معاني التكافل والتراحم بين المسلمين، ويشعر الجميع أنهم جسد واحد يتألم لألم بعضه بعضًا.

ويغرس الصيام في النفوس قوة الإرادة والانضباط، فهو تدريب يومي على الالتزام والطاعة، ومقاومة ما اعتادته النفس من شهوات وعادات، وبذلك يُنشئ شخصية ثابتة أمام المغريات، قوية أمام الفتن، قادرة على الثبات على الحق بعد رمضان كما ثبتت فيه.

ومن أعظم ما يرسّخه هذا الشهر استشعار وحدة الأمة، فمهما فرّقتنا الحدود والسياسات، يبقى رمضان موسمًا تذوب فيه الفوارق، وتعلو فيه مشاعر الانتماء لأمة واحدة، وتفشل فيه محاولات الأعداء في تمزيق الصف وإضعاف الهوية.

هذه بعض دروس مدرسة رمضان، ولا ينال ثمراتها إلا من دخله بقلب حاضر، وصامه إيمانًا واحتسابًا.

وقد هيّأ الله لهذه المدرسة الربانية أسبابًا عظيمة حتى ينهل كلّ مسلم من بركاتها.

قال النبي ﷺ: “قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم”.

فهنيئًا لمن وعى الدرس، وفهم المغزى، وخرج من رمضان برحمةٍ ومغفرة وعتقٍ من النيران.

‘¹’ إسناده حسن.
‘²’ أخرجه البخاري ومسلم.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة