ثياب الحياء

|

ألبسي ثياب الحياء

الحياء في التصور الإسلامي خُلُقٌ مركزيٌّ له حضورٌ تشريعيٌّ وتربويٌّ، وهو من دلائل كمال الإيمان واستقامة الفطرة، لا مجرد سلوك اجتماعي أو مظهر خارجي. وقد اعتنى القرآن بتثبيته بوصفه سمةً ملازمة لشخصية المرأة المسلمة، تظهر في حركتها، واختياراتها، وتفاعلها مع العالم من حولها.

أكرمكِ الإسلام بأن أعطى لكل شيء يخصكِ قيمة ومعنى، وكان الحياء من أعظم علامات مكانتكِ. لم يكن الحياء عابرًا في حياتك، بل جزءًا تفصيليًّا، يظهر في مشيتكِ، ويُعاش في كل لحظة، وفي كل اختيار، وفي كل تصرف. هو نور داخلي يضيء حضوركِ في العالم، ويكشف عظمة روحكِ، دون أن تحتاجي إلى كلمات أو شعارات؛ فقط بوجوده تُحفظ كرامتكِ وتعلو مكانتكِ.

قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.

هذه الجملة ليست كلمةً عادية في سياق قصة؛ بل مشهدٌ قرآنيٌّ مقصود، يلفت النظر إلى قيمة رفيعة من القيم التي أراد الوحي تثبيتها في القلوب. فلو لم يكن الحياء شأنًا عظيمًا في المرأة، لما ركز القرآن على هيئة مشيتها وهي تقصد موسى عليه السلام، لكنه سبحانه أراد أن يبين أن الحياء ليس زينة طارئة، ولا سلوكًا ظرفيًّا؛ بل خُلُقٌ أصيل في فطرة المرأة، تحفظ به جمالها بالعفة قبل الزينة، وبالوقار قبل الظهور.

وليس الحياء محصورًا في هذه الآية في هيئة المشي وحدها، بل هو معنى شامل للحياة كلها؛ في الواقع كما في الفضاءات المفتوحة، في الخلوة كما في العلَن، في النظر والسمع والحرف قبل الخطوة والخطاب.

هو أن لا تُبلِّل المرأة رغيف حيائها في مياه المواضع غير اللائقة حتى يتعفن، وأن تصون جوارحها، وتُلبِس روحها وقلبها ثياب التحصّن من كل ما قد يفتنهما. وهو أن تعي كامرأة عمومًا، وكطالبة علم خصوصًا، أن الحياء ليس عائقًا في طريقها، بل سبب نجاتها، وساترها، ونورها في المسير.

فالحياء ليس شعارًا يُرفع، بل واقعٌ يُعاش؛ أن يتحول ما نتعلمه إلى سلوك يحفظنا ونحفظه، وأن لا نترك شبابنا على أبواب الهوى والنفس والشيطان لتغشاه الشوائب، بل نغلق علينا كما تحرص الأم على صغيرها، حراسة رحيمة واعية.

ولشدة أهمية هذا المشهد، نقل العلماء أوصاف هذه المشية العفيفة، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خراجة ولاجة”.

أي: لم تكن جريئة سليطة، ولا كثيرة الخروج، بل جاءت مستترة مطرّزة بالحياء. ورُوي عنه أيضًا:

“كانت مستترة بكمّ درعها”. إشارة إلى حيائها في لباسها وحركتها.

وقال أهل اللغة: السَّلْفَع من النساء هي الجريئة التي لا تستحيي، فجاء النص القرآني ليؤكد ضد ذلك، ويصوّر مشية الحرائر العفيفات.

  • وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله:

“وهذا يدل على كرم عنصرها، وخُلُقها الحسن؛ فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء”.

  • وقال الدكتور صلاح الخالدي:

“في الآية مؤشرات على طبيعة الفتاة المسلمة الملتزمة التي تؤدي وظيفتها ورسالتها على أرفع صورة مع العفة والطهر والنقاء، وقوله: ﴿تَمْشِي﴾ يدل على السير المقصود المتزن، لا إسراع فيه ولا تماوت، وجاء التعبير بـ﴿اسْتِحْيَاءٍ﴾ ليدل على أن الحياء قد سيطر على كيانها كله، فهي لا تعيش حالة حياء عابرة، بل تعيش حالة استحياء شاملة”.

ولذلك لم يصف الله تعالى المرأة حين ذهبت إلى موسى عليه السلام بطولها ولا جمال هيئتها، بل وصف أغلى ما فيها، حياؤها. وحين اتصفت به كان الخير لها ولأبيها، فأرسل الله لهم موسى عليه السلام عونًا للأب، وزوجًا للابنة.

فالحياء ليس ضعفًا ولا عجزًا، بل قوة صامتة، ومهابة راسخة، ونور يحفظ للمرأة مكانتها في عين الله وفي عين الناس، وهو خُلُقٌ من أخلاق الله عز وجل؛ فقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال:

  • “إن الله حَيِيٌّ ستِّير يحب الحياء والستر”.

وهو من صفات الأنبياء؛ فقد كان موسى عليه السلام شديد الحياء، وكان نبينا ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، وقال ﷺ: “الحياء لا يأتي إلا بخير”.

  • وقال ابن القيم رحمه الله:

“الحياء أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه”.

ولم يكن هذا الحياء يومًا مانعًا من العلم ولا من الفقه؛ بل قالت عائشة رضي الله عنها:

“نِعْمَ النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين”.

لذلك، اخلعي عنكِ كل دعوات التعري وأوهام الأفكار الغربية التي تجرك بعيدًا عن حيائك، وتفقدكِ نفسك حتى تصبحي مجرد جسد يُستباح على رصيف الجرأة، خالية من كل معنى وهوية، بينما قدركِ محفوظ في الإسلام.

امشي على درب القرآن، ذلك الطريق الذي رفع قدرك، وحصنك بالحشمة، وملأ قلبكِ بالحياء والنور.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة