ورد أم وحي جديد؟!

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 23: ورد أم وحي جديد؟!


تحقيقٌ عقديٌّ في هذا المنشور وكشفٌ لما فيه من الضلال

الحمد لله الذي أكمل الدين، وأتم النعمة، وجعل الهداية في كتابه وسنة نبيه ﷺ، ولم يجعلها في اصطفاف الكواكب، ولا في اكتمال القمر، ولا في أعدادٍ مخترعة، ولا في أورادٍ لم يأذن بها الله.

أما بعد…

فإن من أعظم البلايا التي ابتُلي بها الناس في هذا الزمان أن لُبِّس عليهم الباطل بثياب القرآن، وزُخرف الضلال بألفاظ الذكر، حتى صار كل من أراد أن يبتدع في الدين قرن بدعته بآية أو سورة أو دعاء، ليظن الجاهل أن ذلك من شريعة الله، وهو منها براء.

وهذا المنشور مثالٌ صارخ على ذلك، إذ جمع بين شيء من القرآن وكثيرٍ من الخرافة، حتى خرج بصورة دينٍ جديد، لا يعرفه رسول الله ﷺ، ولا أصحابه، ولا أئمة الإسلام.

قوله: “أقوى ورد روحي لن يخبرك به أحد، خاصة مع اكتمال القمر واصطفاف الكواكب”

وهذه أول طامة في المنشور.

فجعل قوة العبادة مرتبطة باكتمال القمر واصطفاف الكواكب.

وهذا من جنس اعتقاد أهل التنجيم والروحانيات، لا من دين الأنبياء.

قال الله تعالى:
﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: 37].

فجعلها آيات تدل على عظمة الله، لا مصادر لطاقة، ولا أسبابًا خفية لتقوية الأرواح.

وقال ﷺ:
«من اقتبس شعبةً من النجوم فقد اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد.» رواه أبو داود وصححه أهل العلم.

فكل ربطٍ بين حركة الأجرام وبين حصول النصر أو الفتح أو القوة الروحية بلا دليل شرعي فهو من التخرص على الله.

تخصيص سبعة أو أحد عشر أو أربعة عشر يوماً

  • من أين جاءت هذه الأعداد؟
  • هل نزل بها جبريل؟
  • هل أوصى بها رسول الله ﷺ؟
  • هل عمل بها الصحابة؟

الجواب: لا.

والعبادات مبناها على التوقيف.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:
ليس لأحد أن يسن للناس نوعًا من العبادات ولا وقتًا ولا عددًا لم يشرعه الله ورسوله، فمن فعل ذلك فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله.

ولهذا قال النبي ﷺ:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.» متفق عليه.

فكل عددٍ يُلزم الناس به في الذكر أو القراءة بلا دليل فهو بدعة مردودة.

تخصيص سورة (ص) بهذا الورد

في المنشور:

  • اقرأ سورة ص كاملة.
  • كرر آية معينة 21 مرة.
  • ثم قل ذكراً مخصوصاً مائة مرة.

ونسأل صاحب المنشور:

  • من الذي أخبرك أن سورة (ص) لها هذه الخاصية؟
  • وأين الدليل على هذا العدد؟
  • وأين فعل النبي ﷺ؟
  • وأين فعل الصحابة؟

فإن قال: “تجربة”.

قلنا: الدين لا يثبت بالتجارب.

ولو كانت التجارب تجعل العبادات مشروعة، لصار لكل إنسان دينٌ جديد.

قال الإمام الشاطبي:
التجارب لا تجعل البدعة سنة.

قوله: “يا حكم، يا قوي، يا قهار، يا منتقم” مائة مرة

ذكر الله مشروع.

لكن تخصيص أسماء معينة بعدد معين، ولغرض معين، دون دليل، بدعة.
فأسماء الله توقيفية.
وكيفية التعبد بها توقيفية.
ولم يرد عن النبي ﷺ أنه جعل هذا الذكر بهذا العدد لتحصيل النصر أو القوة الروحية.

اشتراط ترك اللحوم والبيض والألبان

وهذا من أغرب ما في المنشور.

إذ جعل الامتناع عن الطعام جزءًا من “الصيام الروحي”.

وهذا ليس من الإسلام.

بل هو يشبه رهبانية النصارى، ورياضات الباطنية، وأهل الطاقة.

قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: 87].

وقال ﷺ:
«أما أنا فأصوم وأفطر… فمن رغب عن سنتي فليس مني.» متفق عليه.

فالطاعة ليست بتعذيب البدن، وإنما باتباع السنة.

النهي عن قص الشعر، والتحاليل، والعقود

هذا من الكذب على الشريعة.

  • فلا يوجد دليل واحد يمنع قص الشعر لاكتمال القمر.
  • ولا يمنع إجراء تحليل طبي.
  • ولا يمنع عقد الزواج.
  • ولا يمنع أي معاملة.

إنما هي أوهامٌ تُلبس لباس الدين.

ومن أخطر صور القول على الله بغير علم.

قال تعالى:
﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: 116].

قوله: “اكتم الأمر عن الناس حتى يتحقق المقصود”

وهذه علامة يعرفها أهل العلم.

فكلما كانت البدعة خفية، طلب أصحابها كتمانها.

أما الحق فقد قال الله فيه:
﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: 187].

ولو كان هذا خيرًا لسبقنا إليه أصحاب محمد ﷺ.

أخطر ما في المنشور

أنه يوهم الناس أن هذه الأعمال سبب مضمون للنصر والرزق وكشف الكرب.

وهذا تعلق بالأسباب التي لم يجعلها الله أسبابًا.

ومن جعل سببًا لم يجعله الله سببًا فقد وقع في بدعة، وربما جرّه ذلك إلى الشرك الخفي إذا اعتقد أن لهذه الأعمال تأثيرًا ذاتيًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
من أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا شرعًا ولا قدرًا فقد أشرك في حكم الله.

كيف يكون الورد الصحيح؟

  • ليس بالأسرار المزعومة.
  • ولا بالأرقام المخترعة.
  • ولا بليالي القمر.
  • ولا باصطفاف الكواكب.

وإنما يكون بما ثبت عن رسول الله ﷺ:

  • المحافظة على الصلوات.
  • أذكار الصباح والمساء.
  • قراءة القرآن دون اعتقاد خصائص لم يثبت بها دليل.
  • كثرة الاستغفار.
  • الصلاة على النبي ﷺ.
  • الدعاء المشروع.
  • صدق التوكل على الله.

فهذه هي الأوراد التي تزكي القلوب، وتشرح الصدور، وتدفع البلاء بإذن الله.

كلمة إلى ناشر هذا المنشور والعامل عليه

اتق الله.
فإن الكذب على دين الله ليس كالكذب على الناس.
ومن نسب إلى الشريعة ما ليس منها فقد تجرأ على مقام النبوة.

قال ﷺ:
«من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.» متفق عليه.

كيف بمن ينسب إلى دينه عبادات، وأوقاتًا، وأعدادًا، وفضائل، لم يأذن بها الله؟

الله المستعان

ليس كل ما زُيِّن بالقرآن حقًا، ولا كل ما كُتب عليه “ورد روحاني” هدى.

فالحق يعرف بالدليل، لا بكثرة المتابعين، ولا بجمال التصاميم، ولا بكثرة من يجرّب ويزعم أنه وجد أثرًا.

ولو كان هذا الورد خيرًا لسبق إليه رسول الله ﷺ، وصحابته الكرام، وهم أحرص الناس على كل خير.

فاحذر أن تتعبد لله بغير ما شرع، فإن الله لا يُعبد إلا بما شرع، وكل عبادة لم يدل عليها الكتاب والسنة فهي مردودة على صاحبها، مهما حسنت نيته، ومهما زخرفت عبارتها. قال تعالى:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: 3].

فالدين قد كمل، ومن زعم أن الناس يحتاجون إلى “وردٍ سري” لم يعرفه النبي ﷺ ولا أصحابه، فقد اتهم هذا الدين بالنقص، وكفى بذلك ضلالًا مبينًا.

للمزيد:
الذكر حياة القلوب وغذاء الأرواح
تفوقٌ يصنعه القرآن

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة