البيت… روح امرأة

|

​ليس البيت جدرانًا ترتفع، ولا سقفًا يُظلِّل، ولا أبوابًا تُغلق فحسب، وإنما البيت روحُ امرأةٍ إذا حلَّت فيه أحالته وطنًا، وقلبٌ إذا سكن بين جنباته ألبسه لباس الطمأنينة والأنس والسعادة.

وإذا سُئلت: ما البيت؟ فقل: هو المرأة.

هي التي تجعل من الحجر حياة، ومن الفراغ أُنسًا، ومن التعب راحة، ومن ضيق الدنيا سعةً بما أودع الله فيها من رحمةٍ ولين، حتى يغدو البيت بها كالغيث إذا نزل على الأرض الميتة فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج.
​إذا رأيت نافذةً تُفتح مع أول خيطٍ من الفجر، فلا تظنن أن الشمس وحدها قد دخلت ذلك البيت؛ فإن فيه شمسًا أخرى لا تغيب، تُشرق في وجه زوجها، وتفيض دفئًا على أبنائها، وتُضيء أركان الدار بحسن خلقها، وطيب عشرتها، وصبرها الجميل.
​ولذلك لم يجعل الله السكن في الحجر، وإنما جعله في الإنسان، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].

فالسكن يكون إلى الزوجة، والبيت إنما يعمر بالمودة والرحمة، لا بالحجارة والزخارف.
​وما الخارج إلا بحرٌ متلاطم، تعصف فيه أمواج الفتن، وتشتد فيه رياح الكدح، ويذوق فيه الرجال من عناء السعي ما يذوقون؛ فإذا رجع أحدهم إلى بيته، لم يكن يطلب طعامًا ولا شرابًا بقدر ما يطلب سكينةً تداوي روحه، ورحمةً تمسح عن قلبه غبار الطريق.
وإذا كان هذا حال كثيرٍ من الرجال مع أعباء الخارج، فكيف بمن جُبلت على رقة المشاعر، ولين العاطفة، ورهافة الإحساس؟ إن الخارج كثيرًا ما يكون موحشًا مرهقًا، ويبقى البيت موطن السكينة والأمان.
​ومن أجل هذه الرسالة العظيمة، وجَّه الله نساء النبي ﷺ خاصةً بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].

والأصل أن القرار في البيت ليس حبسًا ولا امتهانًا، وإنما صيانةٌ وتشريفٌ، مع بقاء حق المرأة في الخروج لما أذن الله به من حاجةٍ أو مصلحةٍ مشروعة، كما كان شأن أمهات المؤمنين ونساء الصحابة رضي الله عنهن.
​فالبيت ليس ميدانًا مَحدودًا كما يتوهم بعض الناس، بل هو أول ميدانٍ تُبنى فيه الحضارات، وتُصنع فيه الأمم. فمن بين جدرانه خرج العلماء، والفرسان، والمصلحون، وحملة القرآن، وما كان ذلك إلا لأن وراءهم أمًّا أحسنت التربية، وزوجةً أحسنت العشرة، وربَّة بيتٍ أحسنت القيام بما استرعاها الله.
ولهذا قال رسول الله ﷺ: «والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها». متفق عليه.

فأي منزلةٍ أعظم من أن يجعلها النبي ﷺ راعيةً على أعظم حصون المجتمع: الأسرة؟
وقال ﷺ: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة». رواه مسلم.

مرأة

فالمرأة الصالحة ليست مجرد نعمةٍ في حياة زوجها، بل هي سببٌ في صلاح البيت، وإذا صلح البيت صلح المجتمع.
​إن المرأة اللبيبة لا ترى بيتها سجنًا، بل ترى فيه مملكتها، وتعلم أن سلطانها الحقيقي ليس على الجدران، وإنما على القلوب. فهي تُربِّي قبل أن تُعلِّم، وتُصلح قبل أن تُعاتب، وتُداوي بالكلمة قبل الدواء، وتغرس الإيمان قبل أن تغرس العلم.

​ولا يضرها أن يكون بيتها واسعًا أو ضيقًا، جديدًا أو قديمًا، فخمًا أو متواضعًا، جدرانًا أو خيمةً؛ فإن البيوت لا تكتسب قيمتها من زخارفها، وإنما من الأرواح التي تسكنها. وكم من بيتٍ متواضعٍ عمرته امرأةٌ صالحة، فكان أعظم بركةً من قصرٍ خلا من المودة والرحمة، وغابت عنه المسؤولية وحسن الرعاية.
​وما من إنسانٍ أرهقته الحياة إلا وهو يفتش في آخر يومه عن بابٍ يأوي إليه، وعن وجهٍ يبتسم له، وعن قلبٍ يدعو له، وعن يدٍ تمسح عنه تعب الأيام. وتلك هي المرأة التي جعلها الله لباسًا لزوجها، كما جعله لباسًا لها، فقال سبحانه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
​فطوبى لامرأةٍ جعلت بيتها جنةً بالإيمان، وعمرته بالذكر، وزينته بالأخلاق، وربَّت فيه جيلًا يعرف الله، ويعرف حق والديه، ويعرف حق أمته.
فالأمم تبدأ من أحضان الأمهات، ومن البيوت العامرة بالإيمان. فإذا صلح البيت بالإيمان والمودة والرحمة، كان أساسًا لصلاح المجتمع، وإذا صلح المجتمع قامت الأمة على أسسٍ راسخة.

للمزيد:
القرار في البيت بين “المقبرة” و”المملكة”: 20 وظيفة للمرأة القارة في البيت
القرار في البيت: عشق دافئ

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة