بيتك أمانة فلا تضيعيه8

|

نستكمل هنا الجزء الثامن من سلسلة” بيتك أمانة فلا تضيعيه”

القرآن عند الخلافات الزوجية والأسرية

Judge’s hammer and wedding rings.

لا يخلو بيت من الخلاف، فاختلاف الطباع وتفاوت الآراء أمرٌ جعله الله من طبيعة البشر، ولكن صلاح البيوت لا يكون بغياب المشكلات، وإنما بحسن التعامل معها.

فكثير من الخلافات التي تبدأ بأمور يسيرة تكبر بسبب غياب الحكمة، وارتفاع الصوت، وتمسك كل طرف برأيه، حتى تتحول المشكلة الصغيرة إلى جرحٍ في القلوب. وهنا يظهر أثر القرآن؛ لأنه لا يعلّم الإنسان كيف يعيش بلا ابتلاء، وإنما يعلمه كيف يتصرف حين يأتي الابتلاء.

قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، فهذه قاعدة قرآنية عظيمة تحفظ العلاقات من الانهيار، فليس كل انتصار للنفس نصرًا، وليس كل تنازل ضعفًا، بل قد يكون العفو والإصلاح من أعظم صور القوة والإيمان.

والقرآن يربي أهل البيت على مراقبة الله في لحظات الغضب، فلا يظلم أحدٌ أحدًا، ولا تُستباح الكلمات الجارحة، ولا تُهدم المودة بسبب لحظة انفعال.

قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، والكلمة الطيبة داخل البيت من أعظم أبواب الإصلاح؛ فكم من كلمة رحيمة أغلقت باب الشيطان، وكم من كلمة قاسية فتحت أبوابًا من الحزن والخصام.

ومن هدي القرآن أن يتعلم الإنسان أن المقصود من الزواج والأسرة ليس أن ينتصر كل طرف على الآخر، وإنما أن يعين بعضهم بعضًا على طاعة الله، وأن يحفظوا الميثاق الذي جمع بينهم.

فالبيت الذي يجعل القرآن مرجعه عند الخلاف، لا يمنع وقوع المشكلات، لكنه يمنع أن تتحول إلى قطيعة، ويجعل القلوب أسرع إلى الاعتذار، وأقرب إلى العفو، وأحرص على بقاء الرحمة.

فالقرآن ليس فقط للعبادات، بل هو منهج حياة يدخل إلى غرف البيوت، وإلى لحظات الغضب، وإلى العلاقات التي تحتاج إلى إصلاح؛ ليعيد للقلوب ميزانها، وللبيوت سكينتها.

الشاشات والقرآن… من يقود البيت؟

لم تكن مشكلة البيوت في زمننا أن وسائل الراحة كثرت، وإنما أن بعض هذه الوسائل أخذت مكانًا أكبر من حجمها، حتى أصبحت الشاشات تنافس أعظم ما ينبغي أن يعمر به البيت من ذكرٍ وحوارٍ وتربية.

فقد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، لكن كل واحد منهم منشغل بعالمه الخاص، يقل الحديث بينهم، وتضعف المجالس العائلية، ويصبح الوقت الذي كان يمكن أن يجتمعوا فيه على الخير موزعًا بين التطبيقات والمقاطع والأخبار.

والخطر ليس في وجود التقنية، فهي وسيلة لها منافعها، وإنما الخطر حين تصبح هي التي تقود البيت، فتحدد أوقاتنا، وتشغل قلوبنا، وتأخذ من نصيب القرآن والعبادة والعلاقات الأسرية.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، فالقلب إذا امتلأ بالمشاغل والغفلات احتاج إلى من يعيده إلى مصدر حياته وطمأنينته.

ومن الحكمة أن تضع الأسرة توازنًا واضحًا؛ فتجعل أوقاتًا لا حضور فيها للهواتف، يجتمع فيها أهل البيت للحديث أو قراءة القرآن أو مشاركة بعضهم بعضًا تفاصيل يومهم.

كما أن أعظم وسيلة لتقليل تعلق الأبناء بالشاشات أن يروا في والديهم قدوةً مختلفة؛ فليس من المؤثر أن يُطلب من الطفل ترك الهاتف وهو يرى والديه لا يفارقهما، وإنما يتعلم الأبناء مما يشاهدونه أكثر مما يسمعونه.

ومن الجميل أن تعود للبيت عادات بسيطة فقدت في كثير من الأسر: جلسة قرآن، حديث عائلي، سؤال عن حال كل فرد، مشاركة في عمل نافع، فهذه الأمور تبني روابط لا تستطيع الشاشات أن تمنحها.

فالبيت المؤمن لا يحارب كل جديد، لكنه يعرف موضع كل شيء، فلا يجعل وسيلةً تأخذ مكان الغاية، ولا يسمح لما صُنع لخدمة الإنسان أن يصبح سببًا في انشغاله عن ربه وأهله.

فالقرآن حين يكون قائدًا للبيت، تصبح التقنية في موضعها الصحيح، ويصبح الإنسان هو الذي يملك وقته وقلبه، لا أن تملكه الملهيات.

البيت الذي يحفظ القرآن

ليس المقصود بحفظ القرآن أن تجمع الأسرة أكبر قدر من المحفوظات فقط، وإنما أن تنشأ علاقة بين القلوب وكلام الله، علاقة تجعل القرآن رفيقًا في الطريق، ونورًا عند الحيرة، وميزانًا عند الاختلاف.

فكم من بيتٍ حُفظت فيه السور، ثم لم يظهر أثرها في الأخلاق والمعاملة، وكم من بيتٍ بدأ بحفظ آيات قليلة، لكنها صنعت تغييرًا عظيمًا؛ لأن أهلها لم يجعلوا همَّهم الحفظ وحده، بل جعلوا غايتهم أن يكونوا من أهل القرآن الذين يعملون به.

والبداية الناجحة تكون بالرفق والاستمرار؛ فلا يُحمّل الأبناء ما لا يطيقون، ولا يتحول الحفظ إلى عبء يجعلهم ينفرون من كتاب الله، بل يُربَّون على أن القرآن نعمة وقرب من الله، وأن كل آية يحفظونها هي خطوة في طريق الهداية.

ومن أجمل ما يعين الأسرة أن يكون لها وقت ثابت للمراجعة، يجتمع فيه أفرادها، يشجع بعضهم بعضًا، ويفرحون بالتقدم ولو كان يسيرًا؛ لأن هذه اللحظات لا تبني حافظًا للقرآن فقط، بل تبني ذكريات إيمانية تبقى في القلب.

كما أن الوالدين حين يشاركان أبناءهما في الحفظ يرسلان رسالة عظيمة: أن القرآن ليس مشروعًا للصغار وحدهم، بل هو حياة لجميع أفراد الأسرة. فالبيت كله إذا اجتمع على كتاب الله أصبح القرآن حاضرًا في أحاديثه وأوقاته واهتماماته.

ومن المهم أن يرتبط الحفظ بالعمل؛ فإذا حفظ الأبناء آيات عن الصدق تعلموا الصدق، وإذا حفظوا آيات عن بر الوالدين ازدادوا إحسانًا، وإذا مروا بآيات الرحمة والعفو رأوا أثرها في تعامل أهل البيت.

فالغاية ليست أن يكون في البيت من يحفظ القرآن فقط، بل أن يكون البيت كله محفوظًا بالقرآن؛ محفوظًا من قسوة القلوب، ومن سوء الأخلاق، ومن الغفلة عن الله.

فالقرآن الذي يسكن الصدر لا بد أن يظهر أثره على صاحبه، وأجمل البيوت هي التي تحمل فيها الألسن كتاب الله، وتحمل القلوب معانيه، وتحمل الجوارح أخلاقه.

ثمار البيت القرآني

إن بناء البيت على القرآن ليس مشروعًا قصير الأثر، بل هو غرسٌ يمتد أثره في النفوس والعلاقات والأجيال. فقد لا تظهر الثمار كلها في يومٍ وليلة، لكن القرآن إذا استقر في حياة الأسرة ترك أثرًا عميقًا لا يزول.

ومن أعظم ثمار البيت القرآني أن يجد أهله السكينة عند اضطراب الحياة؛ فالقرآن لا يرفع عن الناس كل ابتلاء، لكنه يمنح القلوب يقينًا وصبرًا، ويجعل الإنسان يرى الأحداث بعين الإيمان لا بعين الجزع.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، ومن أعظم الذكر كلام الله الذي تهتدي به القلوب وتستقيم به النفوس.

ومن ثمار حضور القرآن في البيت أن تتحسن الأخلاق؛ فيتعلم أفراد الأسرة الصبر عند الغضب، والعفو عند الخطأ، والرحمة عند الضعف، والإحسان في التعامل. فالقرآن لا يربي الإنسان على كثرة المعرفة فقط، بل يصنع منه إنسانًا أصلح لنفسه ولمن حوله.

كما أن البيت القرآني يكون أكثر قدرة على مواجهة الفتن؛ لأن أهله لا يعيشون بلا مرجعية، بل يرجعون إلى كتاب الله في زمن كثرت فيه المؤثرات وتعددت فيه الأصوات. فإذا اضطربت الموازين بقي الوحي هو الطريق الذي يهديهم.

ومن أجمل الثمار أن ينشأ الأبناء وهم يحملون في قلوبهم رابطًا بالله، فلا تكون علاقتهم بالدين مجرد عادات ورثوها، بل محبة ومعرفة وشعورًا بأن الله هو الملجأ في كل حال.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فالاعتصام بالله هو أعظم ما يحفظ الإنسان في تقلبات الحياة.

والبيت القرآني ليس بيتًا بلا أخطاء، فالبشر يخطئون ويقصرون، لكنه بيت يعرف طريق العودة، ويملك نورًا يهديه إذا ضل، ويجمع قلوب أهله كلما فرقتها مشاغل الدنيا.

فليست بركة البيوت فيما تملكه من أثاث أو متاع، وإنما فيما يسكنها من إيمان، وما يعمر قلوب أهلها من صلة بالله. فإذا صار القرآن حاضرًا في التلاوة والتدبر والعمل، أصبح البيت مكانًا تنمو فيه الطمأنينة، وتُبنى فيه النفوس على الخير.

ولقراءة المقال السابق اضغط هنا

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة