قِس هذا الحال على كل النواحي الحياتية، وحديثي هنا على وجه الخصوص يركز على آفة مستهجنة غزت بيوتنا واستعمرتها، وما بقي بيتٌ إلا وطالته يدها فأفسدته.تأمل المشهد: ترى الأب جالسًا في زاويته، مُستغرقًا بكل جوارحه في ذلك الجهاز الصغير الذي لا يتجاوز حجم كفه. يمرر المقاطع بإصبع لاهٍ، ويقلب الصفحات، تتغير تعابير وجهه بين العبوس والضحك، لكن وجوده الحقيقي يكاد يكون معدومًا.
يغيب وعيه تمامًا عما يدور حوله في بيته؛ فلا يلحظ طفله الذي يناديه بجواره فيداعبه، ولا زوجته القريبة منه فيُلطف الجلسة ويجاذبها أطراف الحديث. حتى أبسط متع الحياة تغيب عنه؛ قد لا يستشعر طعم طعامه وهو يأكل بيمينه ويمسك هاتفه بيساره.بغير وعي منه، يضيع على نفسه فرصة الوجود الحقيقي وسط عائلته ليتواصل معهم، ليَحْيَا بهم ويَقَرَّ عينًا بوجودهم. قد لا يدرك أن دوره الأساسي في هذا البيت أعظم بكثير من كونه مجرد “مُعيل مالي”.
لقد اختُزل دور الأب وبات واجبه مقتصرًا على إحضار الطعام والشراب، ثم الغياب التام خلف الشاشة عن رعيته. أين هو من المسؤولية العظيمة التي أمرنا بها الله عز وجل في قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}وقوله جل وعلا: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} ؟
فالأب هو ركيزة البيت ودوره حيوي فيه، وغيابه أو تقصيره يحمل تبعات اجتماعية ونفسية وخيمة.وفي ذات السياق، لا يختلف حال الأم كثيرًا؛ فهي مشغولة أغلب وقتها بالتقليب والنشر والمشاركة والتعليق على صفحات التواصل. تضيع وقتها الثمين على الشاشة، وقد يضيع بعض دينها وقيمها معه. فالشاشات تروج لوهم الكمال وسحر الحياة السعيدة المزيّفة، وتعرض “ملكات جمال” مصنوعات بالفلاتر والمكياج، مما يغرس في نفس الأم شعور النقص والسخط وعدم الرضا عن واقعها وحياتها.
إن إدمان الشاشات هو تضييع صريح لأمانة الأطفال وأمانة البيت. ورغم خطورة غياب دور الأب، فإن غياب دور الأم أشد وطأة، فهي قلب البيت النابض وقدوة الأبناء والبنات، والمسؤولة الأولى عن الرعية.
نرى الكثير من الأمهات اليوم تُسلّم طفلها الشاشة لِتُلهيه ريثما تتمسك هي بجهازها، وقد تجلس وسط أبنائها جسداً لكنها غائبة كلياً، منغمسة في عالم افتراضي لا تواصل فيه.الضرر لا يتوقف عند الوالدين، بل هو عدوى تنتقل حتماً إلى الأبناء. هذا الإدمان لا ينحصر في نوع جهاز معين، سواء كان تلفازًا، آيبادًا، أو أي جهاز لوحي، إنه وباء يهدد نسيج الأسرة بأكمله.










