تعددت طرق التربية وأساليبها وكثر الخلاف حول المنهج الأصح منها، ولذا كان علينا أن نجد حلًا لهذا الشتات المعرفي.
ومن منطلق هذه الآية: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } وجب علينا البحث ورد هذا الاختلاف إلى ما ماجاء في شريعتنا التامة الكاملة.
حيث أن النبعُ النبوي؛ هو الأساسَ والمرتكزَ في استنباط الأفكار وترتيبها ومعرفة الطرق السليمة في التربية.
فمن تتبع الأحاديث النبوية في ذلك سيجد ما ينبهر به القلب وينير الفكر ويغنيه عن شتات الطرق و التجارب ونقصانها؛ فالحديث النبوي يحسم أي خلاف، ويضع الأمور في نصابها، ويُيّنُ؛ ويهدي؛ ويأمر؛ وينهى.
واذا جمع المرء تلك الأحاديث سيزداد يقينًا في سلامة المنهج المتبع.
وأول ما نبدأ به هو:
الأساليب الفكريّة المؤثّرة في عقل الطّفل
الأوّل: رواية القصص.
تلعب القصة دوراً كبيراً في شد انتباه الطفل، ويقظته الفكرية والعقلية، وتحتل المركز الأول في الأساليب الفكرية المؤثرة في عقل الطفل؛ لما لها من متعة، ولذّة. ونجد وفرة في القصص النبوي تجاه الأطفال، حكاها النبي ﷺ لأصحابه الحاضرين منهم الكبير والصغير، فكانوا يُصغون إليه بكل انتباه؛ لما يقصه النبي ﷺ عن حوادث وقعت في زمن مضى؛ ليتعظ بها الحاضرون، ومن بعدهم إلى يوم الدين.
وثمة ملاحظة هامة، وهي أن القصص النبوي يعتمد على حقائق ثابتة، وقعت في غابر الزمن، وهي بعيدةٌ عن الخرافة والأساطير، وإنما هي قصص تبعث في الطفل الثقة بهذا التاريخ، كما تُضفي على روحه الاندفاع والانطلاق، وتبني فيه الشعور الإسلامي المتدفق الذي لا يجفّ نبعه، والإحساس العميق الذي لا يعرف البلادة. وإن أخبار العلماء العاملين، والنبهاء الصالحين من خير الوسائل التي تغرس الفضائل في النفوس، وتدفعها إلى تحمُّل الشدائد والمكاره في سبيل الغايات النبيلة، والمقاصد الجليلة، وتبعثها إلى التأسي بذوي التضحيات والعزمات؛ لتسمو إلى أعلى الدرجات، وأشرف المقامات.
ومن هنا قال بعض العلماء من السلف: «الحكايات جند من جنود الله تعالى، يثبت الله بها قلوب أوليائه».
وشاهده من كتاب الله تعالى قوله سبحانه:
{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بهِ فَؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود : ١٢٠/١١].
الثاني – الخطاب المباشر للطفل.
إن الخطاب المباشر في مخاطبة عقل الطفل، وتبيين الحقائق له، وترتيب المعلومات الفكرية ليحفظها مع فهمها، يجعل من الطفل أشدّ قبولاً، وأكثر استعداداً للتلقي، أما اللف والدوران، فليس له في التعامل مع الطفل نصيب، وهكذا علَّمنا رسول اللّٰه ﷺ وَلِفي أن نتوجّه إلى الطفل في كثيرٍ من المناسبات بالخطاب المباشر بصراحة، ووضوح .
وما حديث ابن عباس رضي اللّٰه عنه – الذي أخرجه الترمذي – قال : كنتُ خلف النبي ﷺ يوماً، فقال: ((يا غلام! إني أعلمك كلمات)) إلا دليل ذلك.
فالرسول ﷺ يباشر إلى الموضوع الذي يريده، فيقول للطفل الناشيء: (إني أعلمك) ، فالرسول ﷺ يعلم الطفل – كلمات- مختصرة مفيدة، لا طول فيها، ولا ملل، وذلك انسجامٌ مع طبيعة الطفل الفكرية؛ التي تتطلب الكلمات القصيرة، الموجزة، الجامعة، الغنية بالمعاني والأفكار.
وإذا تأملنا في طبيعة الكلمات التي وجهها الرسول ﷺ وجدناها تشكّل للطفل قواعد فكرية، عَقَدية، أساسية في حياته الحاضرة الطفلية، وفي شبابه المرتقب بعد حين، فلنقرأ هذه الكلمات، ونشاهد :
«احفظ اللّٰه يحفظك، احفظ اللّٰه تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل اللّٰه، وإذا استعنت فاستعنْ بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّٰه لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّٰه عليك، رُفِعت الأقلام، وجَفَّت الصُّحُف» .
أرأيتَ إلى جمال هذا الخطاب المباشر الذي ابتدأ في شد انتباه الطفل بكلمة: ( يا غلام ) التي تثير انتباه الطفل، وتشعره بنشوة اهتمام الآخرين به، مثلما يشعر الشباب عندما يسمعون النداء: ( يا شباب ) .
ثم هل رأيت بياناً جامعاً شاملاً، يخاطب عقل الطفل مثل هذا الخطاب؟!
وهل قرأت، أو سمعت مثل هذه القواعد الكلية التي تؤسس فكر وعقل الطفل ؛ لتكون مرتكزاً له في مواجهة الحياة؟ كذلك فإن الرسول ﷺ ليرشد الطفل بخطابه المباشر إلى طريقة عملية؛ ليتخلص من أدران أمراض القلب كالحسد، والبغضاء، والحقد، والكيد، وذلك بتسلسل فكري عجيب .
الثّالث: خطاب الطّفل على قدر عقله.
الطفل كأي كائن حي، له حدود لا يستطيع تجاوزها، وعقله وفكره ما زال في ريعان النمو والتوسُّع وإدراك الوالدين والمربين إلى درجة نمو عقل الطفل التي وصل إليها، يُسَهّل عليهم حل كثير من المشاكل، إذ عندها يعرفون متى يخاطبونه، والكلمات التي يستعملونها، والأفكار التي يقدمونها.
ودليل هذا أنه قبل معركة بدر، حينما قبض الصحابة على غلام راع لقريش، سألوه عن عدد الجيش، فإذا به لا يحسن الإجابة فضربوه، حتى أقبل النبي صلى الله عليه وسلم -وهو عالم النفس الحقيقي بلا منازع – فإذا به يسأل الغلام: «كم ينحر القوم من الإبل؟ قال الغلام: بين التسعة والعشرة. فقال صلى الله عليه وسلم: «القوم بين التسعمئة والألف» فعرف صلى الله عليه وسلم أن هذا الغلام لا يعرف عدد الألوف، ولكن طاقته العقلية تدرك عدد العشرات. وعشرات أي شيء؟؟ عشرات الإبل التي يسهل عدّها على كل طفل؛ لما لها من الحجم الكبير .
ومن الأمثلة الحياتية: أنه حينما كان يقصِّر أنس رضي الله عنه في خدمة النبي ﷺ أو ينسى أمراً، فيعاقبه أهلُ النبي ﷺ، فإذا برسول الله ﷺ المدرك لحدود طاقة الطفل، يقول: «دعوه، فلو قدر لكان» فهذا يعني: أن الطفل ذو طاقة فكرية وجسمية محدودة، فمطالبته بأعمال تفوق قدرته يعني: استنبات البذور في الهواء.
الرّابع: الحوار الهادئ مع الطّفل.
إن الحوار الهادىء ينمي عقل الطفل، ويوسع مداركه، ويزيد من نشاطه في الكشف عن حقائق الأمور، ومجريات الحوادث والأيام، وإن تدريب الطفل على المناقشة والحوار يقفز بالوالدين إلى قمة التربية والبناء، إذ عندها يستطيع الطفل أن يعبر عن حقوقه، وبإمكانه أن يسأل عن مجاهيل لم يدركها، وبالتالي تحدث الانطلاقة الفكرية له، فيغدو في مجالس الكبار، فإذا لوجوده أثر، وإذا لآرائه الفكرية صدًى في نفوس الكبار؛ لأنه تدرب في بيته مع والديه على الحوار، وأدبه وطرقه، وأساليبه،واكتسب خبرة الحوار من والديه.
وإنَّ رسول الله ﷺ حاور الطفل بهدوء، وروية عندما سأله عن عدد الجيش -كما تقدم- أما الصحابة فكانوا يضربونه، فلا يجيبهم.
وإنّ رسول الله ﷺ حاور الفتى المقبل على طلب الزنى بشكل هادىء، فقام الفتى وقد أبغض الزنى بغضاً شديداً.
ويحاور ﷺ طفلاً يريد الدخول في المعركة بكل هدوء وروية، ويسمع رأيه، وينصفه: عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: أَيَّمَتْ أمي، وقدمت المدينة، فخطبها الناس فقالت: لا أتزوج إلا برجل يكفل لي هذا اليتيم، فتزوجها رجلٌ من الأنصار، قال: فكان رسول الله ﷺ يعرضُ غلمان الأنصار في كل عام، فيلحق من أدرك منهم، قال: فعرضت عاماً، فألحق غلاماً، وردّني، فقلت: يا رسول الله! لقد ألحقته، ورددتني، ولو صارعتُه لصرعتُه، قال: «فصارعْهُ» فصارعتُه فصرعته، فألحقني.
الخامس: تدريب حواس الطّفل بالتجارب العلميّة.
إن تدريب حواس الطفل يكسبه معرفة، وعلماً، فعندما يبدأ بالنمو، ويبتدىء بتشغيل يديه في عمل من الأعمال، فإن ذلك يثير في عقله اليقظة. فيشاهد أمامه كيف يدرب حواسه، ويعيد هو بنفسه ذلك العمل، وهكذا يتقن العمل، ويتطلع إلى إجادة العمل خطوة خطوة.
ورسول الله ﷺ رأى طفلاً يسلخ شاة، وما يُحْسنُ. فما كان منه إلا أن شَمَّر عن ساعديه، ويبدأ بسلخ الشاة أمام الطفل، وراح الطفل يتأمل الكيفية، ويُعمل عقله في ذلك، ويركز ذهنه في التعليم من رسول الله ﷺ.
فقد أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
أن رسول الله ﷺ مَرّ بغلام يسلخ شاة، وما يحسن، فقال له رسول الله ﷺ: «تنح حتى أريك» فأدخل يده بين الجلد واللحم، فَدَخَس (أي: دَفَعَ) بها، حتى دخلت إلى الإبط، ثم مضى، فصلى للناس، ولم يتوضأ.
بمثل هذه التجارب العملية في تدريب الطفل يمكن أن تتفتح آفاق معرفته، وتتوسع مدارك ذهنه وعقله.”
السادس: شدّ الطفل إلى شخصية ثابتة قدوة له هو رسول الله ﷺ.
إن ربط الطفل بشخص رسول الله ﷺوالاقتداء به، وغَرس حبه على نحو سيأتي في البناء العقدي للطفل، والاهتداء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الطبراني، وابن النجار عن علي كرم الله وجهه: «أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن».
إنّ تعلُّق الطفل بالرسول ﷺ يجعل منه إنساناً سوياً، إذ يفتح ذهنه ومداركه على سيرة إمام الرسل، وقائد البشرية، وحبيب الرحمن، ويتوقد عقله بالنور الإيماني، ويفهم هذا التاريخ المجيد، فيرفع رأسه بانتمائه إلى رسول ﷺ.
وإذا علمنا سخافة الغرب بتنشئة الطفل على التمسك بالأشخاص الخياليين مثل «سوبرمان» وغيره أدركنا عظم أهمية ربط عقل الطفل بشخص رسول الله ﷺ.
ويكفي أن تقدم سيرته وسلوكه، وغزواته أمام الأطفال ليسارع الطفل إلى حب نبيه، والاقتداء برسوله، والتمسك بسلوكه ﷺ ، والابتعاد عن الشرذمة الفاجرة.










