أهم عنصر في التربية هي بناء العبادة لدى الطفل يغذي العقيدة بروحها، كما أنها المنعكس الذي يعكس صورة العقيدة ويجسمها، والطفل عندما يتوجه لنداء ربه، ويستجيب لأوامره؛ فإنما هو يلبي غريزة فطرية في نفسه ؛ فيشبعها ويرويها.
واليوم سنشارككم مقتطفات من كتابة منهج التربية النبوية للطفل، من هنا راجعوا الجزء الأول.
الطفولة ليست مرحلة تكليف؛ وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد؛ للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ؛ ليسهل عليه أداء الواجبات والفرائض، وليكون على أتم الاستعداد لخوض غمار الحياة؛ بكل ثقة وانطلاق.
والعبادة الله تعالى تفعل في نفس الطفل فعلاً عجيباً، فهي تشعره بالاتصال بالله جل وعلا، وهي تهدىء من ثوراته النفسية، وهي تلجم انفعالاته الغضبية، فتجعله سويًاً مستقيمًاً، إذ كثافة الشهوات ضعيفة في تلك الفترة، مما يجعل روحه تتجاوب أكثر فأكثر بمناجاة الله، ويأخذ الخشوع المساحة الكبرى من جسده، وهو يرتل آية أو يسمعها، أو هو واقف في الصلاة أو ساجد فيها، وهو يسمع أذان الإفطار ليبدأ بالطعام والشراب؛ بعد أن صام يومه، وهناك أسرار كثيرة للعبادة لا تعد ولا تحصى، تؤثر في الطفل مما يزيد قوته ونشاطه، وبذلك تفضل التربية النبوية عن أي تربية كانت.
وإن رسول الله ﷺ ليبشر الأطفال الذين نشؤوا على عبادة الله عز وجل، بشارة عظيمة، فمما رواه الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ناشىء ينشأ فى العبادة حتى يدركه الموت، إلا أعطاه الله أجر تسعة وتسعين صديقاً».
وروى ابن عبد البر في التمهيد بسنده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تكتب للصبي حسناته؛ ولا تكتب عليه سيئاته.”
ونلاحظ من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم أنه ركز على ستة أسس، وهي:
الأساس العبادي الأول: الصلاة

وتمر بمراحل:
۱- مرحلة الأمر بالصلاة
يبدأ الوالدان بتوجيه الأوامر للطفل، بأن يقف معهما في الصلاة، وذلك في بداية وعيه؛ وإدراكه يمينه من يساره. لما روى الطبراني عن عبد الله بن حبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عرف الغلام يمينه من شماله فمروه بالصلاة».
وأخرج أبو داود عن معاذ عن عبد الله بن حبيب الجهني قال: -راويه هشام ابن سعد-: دخلنا عليه فقال لامرأته: متى يصلي الصبي؟ قالت: نعم كان رجل منا يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم له أنه سئل عن ذلك؟ فقال: «إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة».”
٢- مرحلة تعليم الطفل الصلاة
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر بنفسه تعليم الأطفال ما يحتاجونه في الصلاة:
أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر:
«اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت».
ويصحح لهم صلى الله عليه وسلم أخطائهم:
روى الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً لنا يقال له: أفلح، إذا سجد نفخ، فقال: «يا أفلح ! ترِّب وجهك».”
“وسار الصحابة على منهج النبوة، فبدؤوا بتعليم أطفالهم بأنفسهم، فهذا علي رضي الله عنه يدعو الحسين؛ فيعلمه كيفية الوضوء، ويجيبه على استفساراته فيه:
أخرج أبو داود عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال:[ دعاني أبي علي بوضوء؛ فقربته له، فبدأ فغسل كفّيه ثلاث مرات؛ قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائماً فقال: ناولني فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه، ثم شرب من فضل وضوئه قائماً، فعجبت فلما رآني قال: لا تعجب؛ فإني رأيت أباك النبي صلى الله عليه وسلم يصنع مثل ما رأيتني صنعت، يقوم لوضوئه هذا، وشرب فضل وضوئه قائماً.]
إن رؤية الطفل لوضوء الكبير، له كبير الأثر في تعليمه؛ وتطبيقه له؛ بشكل عملي صحيح.”
٣- مرحلة الأمر بالصلاة والضرب على تركها
وتبدأ في سن العاشرة من عمر الطفل، فإذا قصر في صلاته؛ أو تهاون؛ أو تكاسل في أدائها، فعند ذلك يجوز للوالدين استخدام الضرب، تأديباً له على ما فرط في حق نفسه، وعلى ظلمه لها باتباع سبل الشيطان، لأن الأصل في هذه المرحلة، أن ينصاع لأمر الله، حيث هو ما زال في مرحلة الفطرية، والشيطان ما زال تأثيره عليه ضعيفاً. فعدم صلاته دليل على تمكن الشيطان منه شيئاً فشيئاً، لذلك فهو بحاجة إلى العلاج النبوي وهو الضرب.
٤- تدريب الأطفال على حضور صلاة الجمعة
عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فعليه الجمعة؛ إلا مسافراً؛ أو مملوكاً؛ أو صبياً؛ أو امرأة؛ أو مريضاً، فمن استغنى عنها بلهو أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد». ثم علق الإمام الكاساني في البدائع على الحديث بقوله: «فصلاة الصبي تكون تطوعاً».
وبتدريب الصبي على صلاة الجمعة تحصل له عدة فوائد جمة، منها:
- عندما يبلغ يكون معتاداً على إقامتها.
- تأثره بسماع الخطبة، إذ فطرته تكون حسّاسة لالتقاط أحاديث الإيمان، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما هي تدريب له لسماع العلم.
- يألف تجمعات المسلمين ويشعر بدخوله للمجتمع، إذ لا بد أن يتعرف على من يعرفهم والده.
- يتعرف بها على علماء الأمة ودعاتها مما له كبير الأثر في كبره، فضلاً عن صغره.
- بصلاة الجمعة يحصل له بناء شخصية بكامل عناصرها: العقدية؛ والعبادية؛ والاجتماعية؛ والعاطفية؛ والعلمية؛ والجسمية؛ والصحية؛ والتهذيب الجنسي. والله أعلم.”
٥- نموذج للأطفال في قيام الليل
قال الشيخ ابن ظفر المكي: بلغني أن أبا يزيد طيفور بن عيسى البسطامي رضي الله عنه لما حفظ ﴿يا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيلَ إِلّا قَليلًا﴾ [المزمل: ١-٢] قال لأبيه: يا أبت! من الذي يقول الله تعالى له هذا؟
قال: يا بني ذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم
قال: يا أبت! ما لك لا تصنع كما صنع صلى الله عليه وسلم، قال: يا بني! إن قيام الليل خصص به صلى الله عليه وسلم، وبافتراضه دون أمته، فسكت عنه.
فلما حفظ قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل : ٢٠/٧٣] قال: يا أبت! إني أسمع أن طائفة كانوا يقومون الليل؛ فمن هذه الطائفة؟ قال : يا بني! أولئك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، قال: يا أبت! فأي خير في ترك ما عمله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟! قال: صدقت يا بني! فكان أبوه بعد ذلك؛ يقوم من الليل ويصلي.
فاستيقظ أبو يزيد ليلة، فإذا أبوه يصلي، فقال: يا أبت! علمني كيف أتطهر وأصلي معك، فقال أبوه: يا بني ارقد فإنك صغير بعد، قال: يا أبت! إذا كان يوم يصدر الناس أشتاتاً؛ ليُرَوْا أعمالهم، أقول لربي: إني قلت لأبي كيف أتطهر؛ لأصلي معك؛ فأبى، وقال لي: ارقد، فإنك صغير بعد، أتحب هذا؟ فقال له أبوه: لا والله يا بني! ما أحب هذا، وعلمه، فكان يصلي معه.
٦- تعويد الطفل على صلاة الاستخارة
روى ابن السني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يا أنس! إذا هممت بأمر، فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك، فإن الخير فيه”.
٧- اصطحاب الأطفال لصلاة العيد
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس؛ وعبد الله بن عباس، والعباس؛ وعلي؛ وجعفر؛ والحسن؛ والحسين؛ وأسامة بن زيد؛ وزيد بن حارثة، وأيمن بن أم أيمن، رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى، فإذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله. رواه ابن خزيمة في صحيحه (٣٤٣/٢) قال المحقق مصطفى الأعظمي: إسناده ضعيف.
الأساس العبادي الثاني؛ الطفل والمسجد

المسجد هو الصرح الذي يبني الأجيال تلو الأجيال، ولقد كان وما زال، هو المصدّر لأجيال باعوا أنفسهم لله، وساروا على منهجه، واقتدوا برسولهم، لهذا عنيَ أطفال الصحابة بالصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فهذا جابر بن سمرة يحدثنا عن طفولته وصحبته لرسول الله.
روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: “صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى يعني صلاة الظهر؛ ثم خرج إلى أهله؛ وخرجت معه، فاستقبله ولدان -أي: صبيان- فجعل يمسح خدي أحدهم؛ واحداً واحداً، قال جابر: وأما أنا فمسح خدي، فوجدت ليده برداً؛ وريحاً؛ كأنما أخرجها من جُونة عطّار».
ويكون أخذ الطفل للمسجد، عندما يستطيع الطفل قضاء حاجته بنفسه، ويصبح نظيفاً؛ فلا يتبول؛ ولا يتغوط تحته، وإنما يذهب إلى بيت الخلاء بنفسه، ويكون قد تعلم آداب المسجد: من دخول بهدوء؛ ووضع الحذاء في مكانه المخصص، وطيّه على بعض في أثناء السير، وعدم الركض في المسجد، والابتعاد عن مزاحمة الكبار، والانتباه واليقظة للخطبة، والدرس؛ والصلاة، وعدم العبث.
وقد سئل الإمام مالك رضي الله عنه، عن رجل يأتي بالصبي إلى المسجد، أيستحبُّ ذلك؟ قال: [إن كان قد بلغ موضع الأدب، وعرف ذلك، ولا يعبث، فلا أرى بأساً، وإن كان صغيراً لا يقر فيه، ويعبث فلا أحب ذلك].”
الأساس العبادي الثالث؛ الصوم
“عبادة الصوم روحية جسدية، يتعلم منها الطفل الإخلاص الحقيقي لله تعالى، ومراقبته له في السر وتتربى إرادة الطفل بالبعد عن الطعام رغم الجوع، والبعد عن الماء رغم العطش.
كما يقوى على كبح جماح رغباته، ويتعود فيه الطفل الصبر والجلد، وقد ربى الصحابة أطفالهم على عبادة الصيام، فعَنْوَنَ الإمام البخاري في صحيحه -باب: صوم الصبيان- وأورد حديث عمر حيث قال عمر لنشوان وقد أفطر في رمضان: ويلك وصبياننا صيام! فضربه.
قال الحافظ ابن حجر معلقاً على الحديث:
“قوله: ( باب صيام الصبيان؛ أي: هل يشرع أم لا؟ والجمهور على أنه يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف؛ منهم ابن سيرين والزهري، وقال به الشافعي، أنهم يؤمرون به؛ للتمرين عليه؛ إذا أطاقوه، وحدّه بالسبع؛ والعشر كالصلاة، وحده إسحاق باثنتي عشر سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين)”.
ومن اهتمام الصحابة بصيام أطفالهم، أنهم يهيئون لهم اللعب أثناء الصيام، ليتسلوا بها؛ فلا يشعرون بطول النهار:
“أخرج البخاري ومسلم عن الربيع بنتِ مُعَوِّذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم عاشوراء، إلى قرى الأنصار: “من كان أصبح صائماً؛ فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه”، فكنا نصومه بعد ذلك، وَنُصَوِّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد؛ فنجعل لهم اللعبة من العهن -أي الصوف- فإذا بكى أحدهم من الطعام، أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار.
قال الحافظ ابن حجر معلقاً: (وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدم، لأن من كان في مثل السن الذي ذكر في هذا الحديث، فهو غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين)
وكان الصحابة رضوان الله علهيم يجمعون أطفالهم، ويدعون الله عزّ وجلّ لحظة الإفطار، رجاء استجابة الدعاء؛ في تلك اللحظة المباركة:
روى أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمر قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة»، فكان عبد الله بن عمر إذا أفطر، دعا أهله، وولده؛ ودعا”
قد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم الآباء والأمهات أن يدعوا على أولادهم؛ لأن هذا منافٍ للخُلُق الإسلامي، ويخالف التربية النبوية، ويبتعد عن منهج النبوة في دعوة الناس إلى الإسلام.
حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع على مشركي الطائف وقال: «أرجو من الله تعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله» وقد حقق الله تعالى رجاءه.
لهذا نجد النهي النبوي للآباء في الدعاء على الأبناء:
روى أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة، فينزل فيها إعطاء، فيستجاب لكم».
وقد ذكر الإمام الغزالي أنه جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك يشكو له عقوق ولده فقال له: هل دعوت عليه؟ فقال: بلى. فقال عبد الله بن المبارك: أنت أفسدته.
المصادر









