موات القلوب
جاء في صحيح ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لاَ تُكثروا الضَّحِكَ ، فإنَّ كثرةَ الضَّحِكِ تميتُ القلبَ» أخرجه الترمذي وأحمد مطولا باختلاف يسير.
هذا في أمور قد تكون عادية أو يسيرة، لا يأكل الضحك منها أي محظور. فكيف بظاهرة الضحك واللعب بآيات الله عزوجل التي استشرت وانتشرت مؤخَّرًا!
لعب وضحك بكل أنواع الآيات، سواء آيات كونية أو آيات القرآن ذاته، دون تعظيم وجلال، دون رادع من دين أو خلق أو حتى بقايا عقل!
تجد أحدهم، اقتطع كلمة من آية، وحرفها عن معناها، وقصَّ على إثرها موقف مضحك، أو ” نكتة ” سخيفة! فيضحك المتابعين على هذا السفه دون حمرة حياء أو خجل أو غضب لآيات الله عزوجل!
تجد آخر يصوِّر مقطعًا لطفل صغير يقرأ آيات القرآن بشكل خاطئ، فيصوِّره كأمر فكاهي يستدعي الضحك والتندُّر، مستهينًا بجلال كتاب الله عز وجل، والجميع يضحك على ذلك تاركًا تعظيم آيات الله عز وجل!
لم يتوقَّف الأمر ههنا على عظمه، بل إنَّ الآيات الكونية المرعبة أصبحت مادة للسخرية والضحك واللعب، تلك التي كانت يرتجف لها رسول الله ﷺ خوفًا من غضب الله عز وجل، ووجلًا من قيام الساعة على إثرها. أصبحت مادة خصبة لموات القلب، ووأد لكلِّ خشية ووجل وإنابة لله عزوجل. حتَّى أصبح العاقل يرى أنَّ الهلاك بها يمكن أن يكون أهون آثارها إذا كانت سببًا لسخط الله عز وجل على الناس بسبب هذا السفه والعبث الحاصل!
والمؤكَّد أنَّ هذا كلَّه إنَّما هو فرع عن الجهل بالله عز وجل، وعدم إجلاله كما ينبغي، وعدم استشعار عظمته سبحانه وتعالى. كما قال الله عز وجل:
{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }
بؤس يحياه الناس في هذه الأيام البائسة، حتى أنَّ بعضهم قد لا يصل إلى مكانة الدوابِّ من شدَّة الجهل والتعالم والانتفاخ الكاذب!
ولا خلاص إلَّا بالعودة لربِّنا عز وجل منيبن له، والتمسُّك بكتابه قولًا وعملًا وتدبرًا. فلا شخص أشد بؤسًا في هذه الدنيا من شخص جاهل بربه عز وجل على توافر الوسائل للتعرف عليه سبحانه وتعالى القوي المتين، إن صدقت النية والعزم.
فيا هذا؛ يا من طوَّعت لك نفسك اللعب بآيات الله عز وجل، كيف بك حين يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثمَّ يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض.
كيف بك يوم الزلزلة، يوم الحشر، يوم الرجفة، يوم الغاشية، يوم الحساب!
فاتَّق الله عز وجل وأدرك نفسك، وعظِّم ربَّك العظيم سبحانه وتعالى كما ينبغي لجلال وجه وعظيم سلطانه.
أختم بهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد؛ أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحرِّكها يقبل بها ويدبر: ” يمجِّد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم “. فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرن به.
وقد رواه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
للمزيد:
مدارج القلب الثلاثة










