مرابطاً حتى تلقاه
لماذا لا يستقيم جهادٌ بلا صبر؟
خلق الله عز وجل الدنيا، وخلق الإنسان فيها يعيش بين حربٍ وجهاد، وبيَّن له كيفيَّة الفوز بهذه الحرب وكيفيَّة العبادة، بقوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.
اصبروا؛ فحرب الإنسان قائمة على مواجهته الشيطان والشهوات، ولا تستقيم له مواجهتهما إلَّا بالصبر. فكما أنَّ الشيطان صبورٌ على إبعادك وتصدّيك، فلا بد لك من الصبر على مواجهته بما أمدَّك الله به من جنود.
فيجب على الإنسان مصابرة عدوِّه، وموافقته، ومنازلته، { فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَـٰدَتِهِۦ }
” الاصطبار فيها نوع من التكلُّف وتحمُّل المشقَّة، يعني الطريق فيه صعوبات “.
«ولا يصحّ أن تتعامل مع الله وفقًا لتقلباتك النفسية؛ فتقول: «أنا اليوم في حال نفسية طيّبة، فسأحضر درسًا وأستمع للقرآن»، وتفعل العكس إن ساءت مزاجيتك فتتوقف!
بل لا بد أن تكون لديك القدرة على مِلك نفسك والسيطرة عليها، بحول الله وقوته:
﴿إِنِّی لَاۤ أَملِكُ إِلَّا نَفسِی وَأَخِي﴾.
ولذلك، ينبغي لك أن تمرّن نفسك وتروّضها على فعل الطاعات؛ سواء شعرت بالإقبال أم لم تشعر.»
د. أحمد عبد المنعم (بتصرف)
فمن صَبَرَ ظَفِرَ وفاز، وكما يقولون: «إنما هو صبرُ ساعة».
فيستعمل الشيطان كلَّ مفاتيحه لتثبيطك، ومن ترك بابه للشيطان أضعفه واستحوذ عليه وملكه.
فبعد أن بدأت فيه شعلةٌ من النشاط والصبر والمقاومة، أخذت خطواته تكبو وتخبو، وبعد أن انهال على قلبه فيضٌ من اليقين والنور، بدأ قلبه يزوي، وبدأت بصيرته تتشوَّش، فصار قلبه كالشاة الربداء، متكدِّرةً لا صفاء فيها، ونورٌ وظلامٌ يتقاتلان: أيُّهما يغلب؟
إذا أحسست بالهجوم على قلبك، فالبدار البدار بالتزوُّد، وإمداد القلب بما يثقله؛ فتقرأ الآيات، وتحضر مجالس العلم، ولا تترك نفسك للشيطان ومكائده. فإذا استطعت مصابرة العدو، فلا بد من المرابطة ولزوم ثغر الصبر وحراسةُ القلب.
الإنسان أحبُّ المخلوقات إلى الله عز وجل. الملائكة مجبولة على الطاعة، أمَّا الإنسان فمخيَّر، وأمامه الشهوات والأعداء؛ فصبر ورابط، فأحبَّه الله؛ لأنه عبدٌ مؤمن مقاوِم.
فيرابط الإنسان على كلِّ الثغور التي يدخل منها الشيطان، ويحرسها، ويلزم قلبه وينقِّيه، ويجليه ويثقله، ويزكِّي نفسه، فهي أقرب للقلب، ويملكها حتى لا تملكه وتسيِّره، ويحكم زمامها حتى تكون له كما يحبُّ.
ثم يلزم ثغر العين، والأذن، والبطن، والفرج، ولا يترك للشيطان ثغرة.
فإذا كان القلب منقادًا للطاعة، والنفس مطمئنَّة، انقاد الجميع، وانقادت الجوارح نحو ربِّها، واتَّجه سفر هذا الإنسان إلى الله والدار الآخرة.
وكما قال ابن القيم رحمه الله: «اجتماع هذه الثلاثة، وعمودها الذي تقوم عليه، هو التقوى لله؛ فلا ينفع الصبر والمثابرة ولا المرابطة إلَّا بتقوى الله، ولا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر».
وللحراسة واليقظة وعدم الغفلة الأهمية الكبرى لمواجهة العدو اللدود،
فالمؤمن الفطن لا يترك قلبه يومًا بلا تزوُّد وتنقية من الأدران، يعمل دائمًا على تطهير قلبه حتى يصير كالمرآة المجلوَّة في جلائها وصفائها، فيرى الله عبده المؤمن المجاهد المقاوم، ويباهي به الملائكة: هذا عبدٌ جاهد في سبيلي حتى قُتل، وهذا عبدٌ يصبر على مرض، وهذا عبدي جاءني بقلب سليم.
فيدخل الجنة، وتدخل الملائكة من كل باب تهنِّئه، يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾.
سبحان الله! كم عظّم الله الإنسان، وكيف أذلَّ هو نفسه بالمعاصي.
فيا ابن آدم، ما أعظم ما أكرمك الله به، وما أضعفك حين تترك زمام نفسك للهوى والشيطان!
إنَّما تقطع الطرق لله بالصبر والمرابطة فاثبت حتى تلقى الله صابرًا مرابطًا صادقًا.
واعلم أنَّه مَن صدق مع الله أعانه، ومَن جاهد معه هداه سبُله.










