أنوثةُ المرأة في عصرِ الصراعِ مع الفطرة!

أنوثةُ المرأة في عصرِ الصراعِ مع الفطرة!

لا يكادُ يمضي علي اليوم، إلاَّ و تُقبِل عليَّ أختٌ باكية، و أختٌ أخرى شاكية، تبثُّني حُزنها و تعدُّ عليَّ خساراتها عداً بعد أن تفتَّحت زهرة الفطرة فيها و أشرقت عليها أنوارُ الوحي من الكتابِ و السنَّة. فعلمْتُ أنها كانت في عداد ضحايا النسويَّة المتأسلمة، اللَّواتي ينادين بحقِّها في المساواة مع الرجل ثمّ حقِّها في الدراسة و العمل، بعناوين منمقَة “تحرير المرأة المسلمة”!

و قَد شَهِدَتْ أُخيَّاتي بعدَ عزمهنَّ على القرارِ في البيتِ من ضغطِ أهاليهن و مجتمعهنَّ ما ين.يُندَى له الجبين! فلم تُعطَهُنَّ الحريَّة هذه المرَّة و حُرِمن من حريَّة اختيارهِنَّ للقرار في البيت! و لازالت تستوقفني المواقف و الأحداث، فيُؤكَّد لي يقينا، أن دراسةَ و عملَ المرأةِ لم يعد حريَّةً بل إجباراً لها، و أمرٌ لا بدَّ منه و لا اختيارَ لها!

و قد شكَت لي أخواتي اللواتي استمرين في الدراسةِ ثم العملِ كرهاً لا طوعاً، على لسانِ أنثى واحدة : (أنهن فقدن هويَّتهن و بوصلتهنَّ في الحياة! ما عُدنَ يعرِفنَ من هُنَّ و ما دورهنَّ!)

نعم! هي تعلمُ أنَّها أنثَى خِلقةً و رقةً و عاطفةً! لكنها وجدت نفسها قد زُجَّ بها في أدوارِ الرِّجال و مسؤلياتهم زجَّاً عنيفاً فسَقطن في غيابات الجُبِّ، ظلماتهُ بعضُها فوق بعضٍ، إذا أخرجت يدها و استنجدت لم يَمُدَّ لها أحدٌ يَده و لم يلبُّوا نداءَ الإغاثةِ!

و قد قيل لي، أن الواحدةَ منهن، أصبحت تسافرُ لوحدها ليلاً و تقطعُ الأميالَ تلو الأميالِ، لتصبحَ يوم غدٍ بالمدينةِ التي ستجتازُ بها مباراةُ الترشيح لمسلكٍ من مسالكِ التعليم العالي، لوحدها دون أن يُسنِدها رجلٌ! و قيل لي، أن الواحدة منهن، تُقيمُ لوحِدها بمنزلٍ خاص في مدينةٍ أخرى بعيدة عن أهلِها، و لا تنفكُّ عنها الكوابِيسُ و الوساوس بعدَ أن يُخيِّمَ عليها الظلام.
و قيلَ لي، أن الواحدةَ منهُنَّ تتحملُ تَبِعاتِ البحثِ عن مسكنٍ للكراءِ و الانتقالِ من هذا البيت إلى ذاك و هي حاملةُ متاعها لوحِدها! و قيلَ لي، أن الواحدةَ منهنَّ تضطرُ للصَّبرِ ساعةً كاملةً في المواصلاتِ حتى تصلَ إلى الجامعةِ بقوى و نفسيَّةٍ مُنهارَة، وسط تلاصق و احتكاكِ أجسامِ الرِّجال بالنساءِ! و قيل لي.. و قيل لي.. و قيل لي.. حتى أُثقلَ قلبِي، و ضِقتُ ذرعاً!

و بعدَ كلِّ هذا، إن صرخت إحِداهُن و استنجدت سرعانَ ما يُكتَمُ صوتها و تُحرمُ مرَّة أخرى من الإفصاحِ عن حقيقةِ ما تَعيشَهُ، فتخنُقها العَبرة! و أختٌ أخرى حتى و إن قرَّت في بيتِ أهلها، ضيَّقوا عليها، و لا تزالُ تحتَ مِطرقة التَّهديد!!

°°واستجابة لقول الجبَّار جل في علاه : {فَاصْدَع بِما تؤمَر} [الحجر، 94]. سأصدح بالحقِّ إعلاءً لأمرِ اللَّه و أمرِ رسولِ اللَّه ثم إيصالاً لصوتي و صوتِ أخواتي اللّواتي تئِنُّ تحتَ مطرقَةِ الجاهليَّة باسم الحضارة و المعاصَرة و الحريَّة!!

و إنمَّا الذي سأكتبه، ليست كلمةً أكتبُها بل شهقةً أشهقها و زَفرةً أنفُثُها، عسى أن تخشعَ قلوبكُم لما جاءكم من الحقّ!! {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
أما بعدُ
مما يَخـفى على الآباءِ و الأمهاتِ و أولياءِ الأمورِ، في شأنُ بناتهُنَّ اللواتي آثرن القرارَ في البيتِ بعدَ تَخرجُهُنَّ أو حتى قَبلَهُ و خِدمَة أهل البيت على خدمةِ الرأسمالية، أنهن قد استُنْزِفن طيلة سنوات الدراسة و خاصة بعد أن أدركن جوهرَ هويَّتِهن من حيثُ أنها “أنثى مسلمة!” بمفهومها الشرعيّ و قد كنَّ غافلاتٍ عن كُنهِِها حقيقةً نظراً لدعاوى النسوية، تحتَ شعارِ “تمكينُ المرأةُ المسلمةُ!”

و قد غرِقن عُمُراً في بحرِها اللُّجِّي و لم يصِلنَ إلى مرحلةِ الفطامِ عن إيديولوجياتها المسمومة إلا و هنَّ على مشارفِ العشرينات و زيادة، فتستَصرِخُ الواحدةُ مِنهُنَّ و قلبها يتآكلُ حسرةً و كمداً: “وا أسفاه! ضاع عمري في نظامٍ رأسمالي ريبيرالي نسوي! واحسرتاه على ما فرَّطت في جنبِ الدين و الفطرة! “وخاصة بعد أن تَسبُرَ أَغوار نفسها فتتعرف عن ذاتها التي جهلتها زمناً و أن في الحياةِ متَّسعاً لتَعلمَ الكثيرَ من الأشياءِ و العلومِ العظيمةِ التي كانت تَبخسُها المنظومةُ الإعلاميةُ و التعليميةُ المعاصرةُ حقَّها، و يتمُّ تأجيلها إلى ما بعدَ الزواجِ مقابل توجيه سعيها كلِّه خلفَ وهم المثالية الحالمة في التعليم الأكاديمي الموحَّد الذي لا يُتَمُّ مشواره إلاَّ على حسابِ أكمَلِ سنينِ عمرها ازدهاراً و اختزالاً لعالمها الأنثوي الواسع في عالمٍ
واحدٍ صغيرٍ مُقدَّس, على حسابِ منظومةِ الزواجِ و الأسرة. و كأنَّ الزواج مصحَّة نفسية لإصلاح العيوبِ و إعادةِ النظرِ في النفسِ البشريةِ و اكتشافِها بادئ ذي بدإ و فرصةً لحلِ العقدِ النفسية و إشكالاتها! عجباً!

و قد بَلغني أن كثيراتٍ ممَّن وَعينَ بخطابِ النِّسويةِ بعد حينِ وأفقنَ من آثارِ التخدير، أقبَلن على الزواجِ بعد تخرُّجِهن مباشرة أو قبله بعد أن تقدَّم لهنَّ من ارتضينَ دينه و خلقه. و لا يخفَى عليكم طبعاً، محاولاتهن مع أهاليهنَّ حتى يستجيبوا لرغبتهنَّ في الزواج و القِصَص في هذا كثيرة!

و إقبالهن هذا كان بِنِيَّة تحقيق الإستخلافِ في الأرض و عمارتها و الإصلاحِ ما استطعن و إعادة توجيه البوصلة و توطين أنفسهن و نفوسِ أطفالهنَّ من الجيلِ الصاعد على معالي الأمور.

و ها هنَّ قدِ استَجبنَ لأمرِ القرارِ في البيت طوعاً لا كرهاً. لكنَّهنَّ سرعان ما انصدمن بواقعِ زواجهنَّ و الهوَّةِ الكبيرةِ بينَ ما كانت عليهِ قبل هذا كطَالبَة وفقط! طُمسَت معالم أنوثتها ظلما و عدوانا و ما أصبحت ملزَمةُ بتقديمِه و أداءِه كربَّةِ بيتٍ و زوجة!

فأُجهِدن كثيراً فِي مواكبةِ نمَطِ حياتهنَّ الجديدة على مستويات عدَّة، في الجانب المهاريّ، من فنون الإدارة المنزلية و في الجانبِ السلوكيّ من حسنِ التَّبعُّلِ للزوج. ثم اصطدامِها بعُقَدها النفسية. و الأشدُّ من هذا هو الفكرُ النَّسوي الذي ظلَّ راسخاً أثرَه في نفسها و سلوكها. هذا و إن أنكرته صادقةً بعقلها، إلا أن امتدادات هذا الفكرِ تشعَّبت فيها كورمٍ سرطانيّ يصعُبُ استئصاله و التعافي منه إلا بعد حين بإذن ربها. و قد كانت تظنُّ المسكينة أنَّ مجرَّدَ علمها بالحقِّ سَيُسهِّل عليها اتباعَه و أنَّ مجرَّدَ علمها بالباطل سَيُسهِّلُ عليها اجتنابه و هي لازالت لا تفقه من هذا و ذاك إلاَّ قليلاً. فتلاشت أمامها أوَّل صورِ الإصلاح التي قد رسمت لها ملامحها الأولى بتَطَلُّع و إقبال فاستَحالَت آمالها الوردَّية إلى آلام تعتصر فؤادها و ها قد تكشَّفَت لها حقيقتها الكاملة بعد إقبالها على الزواج و الذي سيفرُق معها في حياتها نظراً للتجهيل الممنهجِ و التهميشِ لهذه القضيَّةُ!

فتنهالُ عليها ضُروبَ الوَساوسِ الشيطانية و خوَاطِرِ النَّفسِ، بما مضمونه: “ألم يكنِ الأولى إتمام الدراسة الجامعية و الإلتحاق بالوظيفةِ العمومية، قبل الإقبال على خطوةِ الزواج؟! القرار في البيت موجِبٌ للمَلَل و الخصومات مع الزوج و العمل هو المتنفَّس! أليست دعاوى النّسوية صادقة، روتين الجامعة و العمل أبهَجُ من روتين البيت! بس زوجة! بس ربَّة بيت! هل يعقل، أن هذه هي حياة الزَّوجية؟! آه! أخشى الطلاق! ثمَّ ماذا أليستِ الشهادةُ سلاحاً؟! “فتُضخَّم لها التساؤلات في نفسِها فتجدَها تدورُ في حلقةٍ مفرَّغةٍ من اليقين محشوَّةٍ بكثيرٍ من الشبهاتِ و الشكوكِ!

و قد خُفِيَ عنها أنَّ العِلمَ بالحقِّ ما هو إلا محطَّةً أولَى لا بدَّ منها في رِحلةِ التّعافي، التي ستَتطلَّبُ منها صبراً و زاداً و جَلَداً لتَزكيةِ نفسِها و توطينِها على معالي الأمور، ممَّا لم تكتسبهُ طيلةَ مسيرتِها الحياتيَّة عندما لم تُعطَها الفرصَةَ قبلَ زواجِها أبداً لتفقهَ نفسَها و تُهذِّبها و لتُعِدَّها لدورِها الجوهري ربَّةَ بيتٍ و زوجةً و أماً، فِكراً و سلوكاً! و كلُّ هذا ضمن إطار الأنوثة، التي لا يسَعُها جهلُه، سواءً أتزوجت أو لم يُقَدَّر لها الزواج! و ها هنا تبدأُ المعركة!
لكن مهلاً! ما إن تُرخِي سَمعكَ قليلا، تَسمع مناصِراتِ النسوية و على رأسهم أمها و أختها، يهمِسنَ لها: “حذَّرناك من اقتحامِ النَّار لكنَّكِ أبَيتِ إلاّ اقتحامها! متى كان الزواج نجاحاً أو فلاحاً و منبع أنسٍ و رحمة؟! أخبرناكِ! لكنَّكِ لم تعتبري ممن سبقوك و آثرتِ الزواجَ على مشوارك الأكاديمي و وظيفتك “ضماناتك في الحياة!”

ياه! عجباً! أيُّ مِسطرة هذه يَقيسون بها الأمور؟! و أيُّ ضمانات هذه يزعمون؟! و ما هي المعايير التي يحتكمون إليها حتى يصرِفوا فِكرها عن الحقيقة الجوهريَّة للمشكلة فَتُحلَّ بما يوافقها و لا تطول عملية الإصلاح في محاولات أخرى ترقيعيَّة أو بالأحرى محاولات أخرى تخريبيَّة؟! لماذا يوهمون الأنثى أنَّها لن تجد نفسها الضَّائعة إلا في أجواء الدراسة و العمل على طريقة الليبيرالية الرأسمالية؟! لماذا لا يعترفون لها أنَّ سببَ شَقاءها في زواجها و في حياتها عامة، ناتج عن إهمال بناء هويَّة الأنثى المسلمة ضمن منظومة دينيَّة صحيحة متكاملة، تعرِّفها بربِّها ثم بما كلَّفها بهِ ربُّها و بما كفَلَهُ لها سبحانه و لم يُوجبه عليها؟! لماذا أوهموها أن مقياس النجاح الأوحد للأنثى هو إقحامها في ميادين الدراسة و العمل؟! لماذا أهملوا نجاحها في الأساسيات على حساب نجاحها في الإضافيات، ثم أوهموها أن الدراسة و العمل ضمانات و الشهادة سلاح؟! هاه! سلاح!! سلاح ضدَّ ماذا أو بالأحرى ضدَّ من؟! سلاح ضدّ نفسها و فقط!!

مرأة

يقول الدكتور إياد القنيبي -حفظه اللَّه-: (إنَّ نجاح المرأة في الأساسيات؛ و هي فروض العين التي تجب على كلِّ امرأة؛ من علاقتها مع اللَّه بالتوحيد الصافي، و الابتعاد عمَّا يَخدشُ التوحيد بالخضوع و الاحتكام لشرع الله في أمرها كله و أداء الفروض. و من علاقتها مع نفسها بتقبُّل نفسها و حبِّها، و حملها على الخير و تجنيبها الشّر. و من أدوارها الأسريَّة؛ ابنة كانت أو زوجة أو أمَّاً أو أختاً. و من طلبٍ للعلم الذي يعينها على أداء واجباتها في هذا كلِّه. و النَّجاح في هذا المستوى ممَّا يجب على كل امرأة و فتاة بلا استثناء. و المهمّ جداً أن تعرفَ الأنثى أنَّها إن نجحت في هذه الأساسيات فعليها أن تشعرَ بالرضى و التقدير لنفسِها، بغضِّ النظر عن إثباتِ نفسها للآخرين، عليها أن تشعر بتقدير نفسها! لأنها بالفعل حقَّقت غاية خَلقِها، و أثبتت نفسها كما يحبُّ ربُّها، أمام نفسها و أمام أهلها الذين هم بحاجتها حقاً و هي بحاجتهم حقاً كذلك. فهذا ميدان التَّنافس الأهم، إن نجَحَت فيه فهي بذلك علامتُها كاملة! كاملة! يعني ليست محتاجة للنجاح حتى تبحث عنه! ذاتها ليست ضائعة لتبحث عنها! و لا منكَرَة لتُثبِتها! لكنَّ المشكلة عندما يخاطب مائة بالمائة من الفتيات والنساء بالنجاح في الإضافيات و الذي لا يجب أن يخاطب به إلاَّ قسمٌ من النساء لتلبية حاجة حقيقيَّة و طبعا وفق ضوابط شرعيَّة! هنا يحدث خلط الموازين و اختلال الأولويات، عندما تبنى ثقافة المجتمع على إقحامهِنَّ جميعاً في هذه الميادين دراسةً و عملاً على أنها معيارُ النجاحِ الأوحد) و على أنها ضَمانَاتها في الحياة!
ثُمَّ عندما تُقبلُ على الزواجِ بنفسيَّة هشَّة، ضعيفة، قلقة، ضائعة و تزداد فشلا في المستوى الأول الأساسي، نَدفُعها دفعا بأن تَفُرَّ من تزكية نفسها إلى الدراسة و العمل!! ألا يا لَيت َقومي يَعقِلون!-مَنظومَة مشَوَّهة!- و بالمقابل، جاء على لسان الدكتور إياد: (الرَّجل مكلّف برعاية المرأة أباً كان أو زوجاً أو أخاً أو ابناً، مُكلَّف بحمايتها و الإنفاق عَليها، و كِفاية حاجاتها و توفير السَّكنِ لها!).

يقول العليم الخبير: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾ [طه : 117]. جاء في تفسير البغوي: (فلا يخرجنَّكما من الجنَّة فتشقى) يعني: تتعب و تنصب و يكون عيشُك من كدِّ يمينك بعرق جبينِك. و عن سعيد بن جبير: قال أُهبِط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، و يمسح العرق عن جبينه، فذلك [شَقاؤُه. و لم يقل: “فَتشقَيا” رجوعا به إلى آدم، لأنَّ تعبه أكثر ؛ فإنَّ الرجل هو الساعي على زوجته]. فسبحَانه و تعالى، أمَّنَ الأنثى المسلمة و ضَمِنَ لها ما لا تقوى عليه بنفسها عن طريق وَليِّها! و ها هنا ستبرزُ لنا معَالم أزمة الرُّجولة في أقوى تجلِّيَاتها! ويا أسفي! فالأب و الأخ اللذان يوجِّهان أصابع الاتهام لأنثاهم التي آثرت القرار في البيت و إصلاح علاقتها بربها ثم بنفسها و الإهتمام بشؤونِهما حبَّاً و قرباً و مؤنسةً لأمِّها في البيتِ على أن تكون دافعةً لعَجَلة الرأسمالية، ما مَحلُّهُما في حياتها؟! و لماذا أهمَلا دورهما و تبرَّآ منه ثمَّ ألقَوهُ على كاهلِها و كلَّفاها به؟! ألم يكنِ الأولى أن يوجِّها أصابع الاتهام إلى أنفسهم المقصِّرة في النفقة و القوامة التي فضلهما اللهُ بها عليها؟! أم أن أدوارَ كلٍ من الذَّكرِ و الانثى لم تعدْ تحتكمُ إلى الشرعِ بل إلى ميزان النسوية؟! يقول الحكيم الخبير {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام 114].
عَجباً! لقد أُصيبَتْ غَيرةُ و مروءةُ الرجالِ في مقتل!
ثُمَّ يأتيك من يقولُ لك: (إنمَّا دَفعُنا لها دفعاً للدراسة و العمل و إن عَسُرت سُبُلهما، ما هو إلاَّ حبٌّ فيها و خوف عليها من الغيب الذي نجهله و الذي قد يحمِل لها بين طيَّاتِهِ ما يسوؤها! فقد نُتوَفَّى و يُقَدَّر عليها العنوسة أو تطلَّق من زوجها المقتر فتفتقِر إلى من يعولها! و ما هذا إلا تأهيل وقائي لها من هذا كلّه! فالوقاية خير من العلاج! فلتصبر و تكِدَّ الآن حتى تقطفَ ثمارَ صبرها في ما بعد!) يكفي!! لقد ضقنا ذرعا! كفاكم عبثا و جهلاً بمقامِ ربِّكم!! لماذا تضعون إناثكم في إطارِ مواقف حياة استثنائية؟! و تجعلنَ الاستثناء هو القاعدة! فتَشغلنَهنَّ بفرضيَّات قد لا تُحقَّق على أرضية الواقع! فلاَ هُنَّ ارتَحن من تبِعاتِ الدراسة و العمل لا في حاضرهنّ و لا في ماضيهنّ و لا في مستقبلهنّ! و لا تزداد الفَجوة بينها و بين هويَّتها إلا اتِّساعا على مرِّ السنين!

ثمَّ من هذا الذي افترى عليكم الكذبَ، و أخبركم أن ابنتكم تخشى الفقر كخَشيتكُم؟! يقول الرَّزاق الذي يرزقُ من يشاء بغير حساب: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} الذاريات آية ٢٢/٢٣. و أكَّدت الدكتورة ليلى حمدان ـ أيَّدها اللهُ- على أن هذا يقين يجب أن يحمله المسلمون اليوم، وهو يستوجِب العزَّة والشَّجاعة والإحسان.

و أزيدُكم من الشِّعر بيتاً! لماذا تُصِرُّون على إقحامِ بناتكم في عجلةِ التعليم الأكاديمي التقليدي رغم وجود التعليم المنزلي البديل و بشواهدَ معتمدة و في مجالاتٍ عديدة من اختيارها و بساعات دراسة و عَمل بدوامٍ جُزئي يوافق فِطرتها، رقَّتها وضعفها الأنثوي و تقلُّباتها الهرمونيَّة، و لا تُضطَر فيه لتحمُّل عناءِ المواصلات و الزَّجِ بها في عالم تختلط فيه النساء بالرِّجال؟! ثم إن عِلمَها هذا قد لا يقتصر نفعه عليها فقط بل على الأمَّة الإسلامية كَكل. و ماذا عن الأعمال اليدويَّة بأنواعها؟! أهي كذلك “ما توكل عيش” على قولِكم؟!

يقول الدكتور إياد القنيبي -حفظه الله-: (المرأة الناجحة في الأساسيات قد تعمل من بيتها أو بدوامٍ جزئيّ، و ضمن تحكُّمها، مع كونِ السيادة للمستوى الأول و جلَّ الوقت فيه).

و لماذا تُنكِرون حقيقة ارتفاع نسب البطالة مقابل عدد خريجِّي الجامعات سنويّاً و الذين قد يضطرون للعملِ بمناصب شغل لا توافق مسلكهم الجامعي! أبعدَ هذا كلُّه، الشهادة سلاح؟!

و إلى هنا أظنُّ أنني تحدثت بما يكفي و إن كانت في القلب بقيةُ حَديثٍ لا يخرج إلا بكاءً و دعاءً!
فيا عبادَ اللهِ! آباء و أمهات و أولياء أمور! ارحمنَ إماء اللهِ و كونوا لهنّ عونا ضدَّ دعاوى النسويَّة المضلِّلة و مكِّنوهنَّ من الوقوف على الثغورِ التي ارتضاها اللهُ لهنَّ، و لا تفتحوا عليهنَّ جبهات دفاع أخرى لا قبل لهنَّ بها!

يا عباد اللهِ! لقدِ اقترب الوعدُ الحقُ! فماذا قدَّمتم بين يَدَي ربِّكم؟! ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 97].

يا عبادَ اللهِ! ما لكم و الدنيا؟! مالكم و قد أجبرتم بناتكم على السَّعي و الضربِ في الأرض و الكسبِ و قد انسلختم بالمقابل عن إنفاقكم و قوامتكم! و محمد بن عبد الله ﷺ قال: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وعَبْدُالخميصة، وعَبْدُ القطِيفةُ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَم يُعْطَ سَخِطَ)
رواه البخاري]

يا عبادَ اللهِ! إنَّ هذه أمَّتكم، أمَّة واحدة مثخَنَة بالجراح، فماذا أعددتم لملاحمِ الارتقاء في سبيل اللَّه؟! و قد نُكِّل بإخواننا في غزة و السودان و الإيغور و الروهينغا تنكيلاَ و زُلزلوا زِلزالا شديدا و لا تخفى عليكم المشاهد! أبعدَ كلِّ هذا تحلو لكم الحياة و تُحبُّونَ أن تبسط لكم كما بُسِطت على من كان قبلكم!! {حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} [الأنعام : 44]

يا عبادَ اللهِ! أقيموا دينكم و حكِّموا شرعَ اللَّه و اجعلوا من بناتكم مشاريعَ إصلاح فداءً للدِّين! ارجعوهنَّ من حيث أخرجتموهنَّ إلى خدورهنَّ يجاهدن بسِنَانِ الكلِمةِ و يُمهِّدن للرجال سبُل النصرِ و التمكين. فهذا واجبُ الوقتِ!

يا عبادَ اللهِ وَجِهوا طاقاتِ بناتكم للحقِّ و لا تبخسوها {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} [سورة يونس: 32]، و أعدوا للعدو ما استطعتم من خيرة النساء زوجاتٍ و أمَّهات أبِيَّات يجاهدن في سبيل اللَّه بالنفس و المال و الولد و لا يخَفنَ في اللهِ لومة لائم! فالمرأة صانعة الرجال و الرِّجال صنَّاع الحضارة! ألا لمثل هذا فليعمل العامِلون!

يا عباد اللهِ! ﴿ إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة: 111]

يا عباد اللهِ! هذا زمنُ التدافع بين الحق و الباطل! فهنيئا لمن عرفَ مقامَه! و لم يصرِفه زخرف الدنيا عن قصده! ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات: 56]

يا عباد اللهِ! لقد بلغَتِ القلوب الحناجر و أصابَ أساسُ الأمَّةِ الخَورُ و الوهن، و أمتَّنا ما عادت تحتمِل تأجيلا لإقامةِ أركانِ الدِّين فيها أكثر من هذا! فهلاَّ عجَّلتم و لبَّيتم نداء اللهِ و رسولِه! و لا تحقِّروا من تمكين المرأة من القرارِ في بيتها شيئاً! فإنما للنساءِ ثُغورَهُن الخاصة التي يجِبُ أن تُحرسَ و يقفَ على أبوابها رجالٌ أشدَّاء على الكفَّارِ رحماءُ بينهم! فلا يتكابل على نساءكم أعداء الدِّين من الكفرة و يتكابل عليها أعداء الفطرة من المسلمين!

و قد جاء عن محمد بن عبد الله ﷺ في حجَّةِ الوداع أنه أوصى بالنِّساء فقال: (فاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ) فاللَّه اللَّه في النساء! اللَّهم إنِّي قد بلَّغت! فاللَّهمَّ فاشهد!

و في هذا المقام تقول الدكتورة المربِّية ليلى حمدان ـ أيَّدها اللَّه-: (من كان يحملُ هدفاً عظيماً في هذهِ الدنيا. هدفُ تقومُ عليه أحلامُ أمة. لا يحقُ له أن يغامرَ به أو يضحي به! ولو كان في ذلك الألم والتكلفة ولو كان فيه كل الفقد ولو كانت أمامه كل مغريات النفس والأرض. لأن ثغور الإسلام لا تقبل التضييع ولا المخاطرة.حين نقدم مصلحة الأمة على أنفسنا، تستبين الطريق. إن كنتَ على ثغرِ فاحفظه وإياك أن يؤتى الإسلام من قبلك. ولا تصاحب إلا من يحمل أو يؤمِن بقدرِ المسؤوليةِ التي تحملُ أو أشد!)

و ختاماً، {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود، 88]

للمزيد:
“الفتاة المسلمة بين القرار في البيت والعمل!”
الخسائر الصامتة للمنظومة التعليمية الحديثة

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة