خير عبادة تقوم بها المسلمة

|

قرأتُ قبل فترةٍ فتوى كانت خُلاصتها أنّ رجُلًا تزوّج من امرأة لها مشاكل عقم وكانت عامِلة، فاشترط أن تترك عملها؛ لكنها بعد الزواج أصرّت إلا أن تعمل، فتابعتْ أمر وظيفتها سِرًا دون علم زوجها حتى حصلتْ عليها، وكان دوامها مِن الصباح وحتى المساء، ومركز عملها كان يبعُد عن مقر بيتها بمسافات، وحالة زوجها المادية كانت جيدة، وتغنيها عن العمل. ومع ذلك بقيت تُمارس عملها وهو غير راضٍ عنها؛ بل وتركتْ المنزل لتعيش وحدها! وهو صابر عليها، وقد حاول إقناعها مرارًا أن تَعدِل عن قرارها في ذلك؛ لكنها أبت إلا أن تبقى كذلك! والقصة تطول…

في الحقيقة، عجبتُ لأمر هذه الأخت كثيرًا، وأنّه كيف طاوعتها نفسها لفعل ذلك؟ وقد أمرها اللّٰه سبحانه وتعالى بالقرار في بيتها، لا سيما وأنها غير مضطرة للعمل ولا حاجة لها به!

وقد استنكرتُ أمرًا، ألا وهو: كيف للمرأة أن تخرُج من منزل زوجها بدون إذنه وتُعارضه في قراراته ولا تُطيعه؟ وقد أمرها الرسول ﷺ بحُسن التّبعُل لزوجها؟ قولها بأنّها تُريد أن تضمن مُستقبلها بالإنفاق علىٰ نفسها -كونها تعاني من العقم- ليس مُبررًا أبدًا لأنْ تَعصي أمر زوجها وتُخالف الفطرة الّتي خلقها اللّٰه عليها، هي بذلك كما لو أنها تشكك بقدرة الله علىٰ رعايتها!

أعني: لماذا لا تستشعِر وجود اللّٰه في كل شؤون حياتها؟ أليس هو خالقها؟ حاشاه إذًا أن يتركها وحيدة، سيأتي لها برزقها إلى باب بيتها لو آمنتْ به، وصدقتْ في إيمانها واتكلتْ عليه ﷻ. ثُم إن زوجها قادرٌ على النفقة عليها، وتدبير شؤونها من مأكلٍ وملبسٍ ومسكن، وهو ساترها بإذن اللّٰه، فما الداعي لخروجها؟ ما الذي ينقُصها؟

إنّ فكرة خروج المرأة باستمرار من منزلها لغيرِ حاجة، ولغيرِ الضرورة، يجعلها تدخل في زمرة الخرّاجات الولّاجات، وخروجها في كل وقتٍ وحين أمر غير محمود وغير مرغوب؛ بل ومنهي عنه؛ وذلك لما قد يترتب عليه من إساءات لها، فوالله ما شرع اللّٰه لها القرار في بيتها إلّا لما في ذلك من مصلحة لها.

والنسوة اللاتي يكثرن من خروجهن لغير حاجة ولغير سبب اضطراري، يجعلن أنفسهنّ في موضع شكّ، وفي دائرة الشبهة، فَهوس خروج المرأة من بيتها، وعدم قرارها فيه ذريعة عملها الضروري، يُعد مرضًا خطيرًا ولا بدّ أن نعالجه في مُجتمعنا المسلم؛ فهو مؤخرًا قد تطور وأصبح عادةً يومية بالنسبة للمرأة، لا بد لها أن تمارسها كل يوم، كما لو أنها شيئًا عاديًا! نراها تخرج للأسواق، ليس لشيءٍ مهمٍ؛ بل لتُتابع آخر ما نزل فيها، ولتعرف أسعار البضاعة -والّتي قد يكون مصدرها غربيًا ومفسدًا لعاداتنا وتقاليدنا وتعاليم إسلامنا- ودون أن تأخذ شيئًا، مُحتجّة أن في ذلك ترفيهًا عن النفس، ثم لتواكب العصر بمعرفتها آخر صيحات الموضة، سواءً كان باللباس أو بالأواني المنزلية أو بالديكور أو بغير ذلك! أو للتسلية مع رفيقاتها وجاراتها! الأمر هُنا تجاوز كونه كان مُجرد ممارسة عمل فقط؛ بل أصبح عادةً يومية وتغييرًا للجو وترفيهًا عن النفس، وما إلى ذلك من الأعذار الواهية!

لقد تطور ذلك ليُصبح فيما بعد هوسًا. وهوس الخروج من المنزل يُعَدَ مرضًا نفسيًا؛ بل وعقليًّا، والمرأة لو تعي ذلك وتفقهه وتعرف مدى أضراره الناتجة عنه؛ لما اتخذته روتينًا وعادة، وليست العاقلة ولا الحُرّة الواعية من تفكر هكذا.

هناك نسوة يُجادلن في قوله تعالى: ﴿وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأولىٰ﴾، قائلاتُ أنّ هذا الأمر إنما نزل على زوجات النبي ﷺ! مُتناسيات أن كل أمرٍ نزل في كتاب اللّٰه ﷻ إنما نزل لعامّة خلقه وكل عباده. ومع ذلك في تتمّة الآية أمر اللّٰه ألا يتبرّجنَ تبرُّج الجاهلية الأولى، ونحنُ اليوم مع الأسف الشديد نعيش جاهلية كل العصور كما لم تكن قبلًا تُعاش، واللٌٰه المُستعان على ذلك.

في زمن الحبيب ﷺ تأرملَتْ نساء، وطُلِّقَتْ نساء، وثُكِّلَتْ نساء، ونسوة منهنّ العاقرات وأُخريات كهاتهِ عقيمات، كان يروحُ رجالهن شُهداء في الغزواتِ والسرايا، واحتسبنَ الأجر عند اللّٰه، ولم يُطالبنَ بالخروج والعمل من أجل النفقة على أنفسهن، ولا ذريعة ضمان معاشهنّ، وحياة ما تبقى من أطفالهنّ، وقد خضعن لقوله سُبحانه وتعالى: ﴿وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ﴾، فقلنَ: سمعًا وطاعة!

حتى بفضل اللَّٰه كان رزقهنَ يأتيهنَ كما تأتي الطيور أرزاقها، فيسوق الله لكل امرأة منهنّ رزقها حتى عقب بابها. أينسىٰ اللّٰه مَن خلق وهو اللطيف الرحيم؟ حاشاه أن يترُك عبده وهو يتضرّع إليه بالدُعاء ويتّبع أوامره وسُنة نبيه. إنّ الله لا يترُك عباده في الأماكنِ المُقفرة، ودون أنْ يسوق لهم رزقه.

ستقول نسوة: صحيح أنَّ اللّٰه سيرزقهن، لكن عليهنّ السعي والأخذ بالسبب! أقولُ لهن: وهل هنالك أعظم من أن تسعى المرأة في إرضاء زوجها إن كان لها زوج؟ أو أنْ تُربي أبناءها تربية صالحة وتنشِئهم تنشئة حسنة إذا ما فقدتْ والدهم، وتدعو اللّٰه أن يغدق عليها بلطفه ورحمته، وهي تسعى لتربية أولئكَ، فيسوق اللّٰه لها رزقها من حيث لا تدري، ويرزقها من حيث لا تحتسب؟ خزائن اللّٰه واسعة، وفضله عظيم، وواللّٰه ما تفعله المرأة من تربية لأبنائها يعد سببًا كافيًا لأن يرزقها اللّٰه مِن واسع فضله ويُغدق عليها بكرمه؛ بل وذلك جهاد في سبيل اللّٰه لو تعلمن!

سيقُلن أخريات: ماذا عن الفتاة العزباء؟ ليس لديها ما تنشغل بهِ غير نفسها، إذًا مِن حقها أن تخرج وتعمل لتُشغِل نفسها بشيءٍ مفيد، فالعمل يُطوّر من نفسها، وينمي مهاراتها العملية والحياتيّة! أقول لهنّ: واعجباه! ليس لديها ما يُشغلها إذن؟ -هداكنَ اللّٰه- وكأنّها في حالةِ يأسٍ وكآبة، لا شيء لديها أو عليها لتفعلهُ سوى الأكل والشرب والنوم؟ لا قرآن لتحفظه، ولا سُنن نبوية لتقوم بها، ولا دين لتتفقّه فيه، ولا علم لتأخذه وتستقي منه، ولا سيرة نبوية لتنهل منها وتقتدي بصاحبها عليه أزكى الصّلاة والسّلام، ولا كتب لتقرأها، ولا دعوة للإصلاح لتنشرها بين عامة النساء، ولا أعمال منزلية لتتفنّن بها، ولا أعمال أنثوية لتمتهنها، كأن تتعلم: الطبخ والتطريز والحياكة، وغيرها الكثير.. ولا ابتكارات ناعمة لتخترعها وتُبدع فيها، وتُبهج بها قلب أبويها وإخوتها إن وجد لها منهم. هذهِ كلّها أعمال جميلة، وفنون رائعة تقوم بها الفتاة العزباء، عداكنّ -يا غاليات- على الاهتمام بشخصها والعناية بأنوثتها. هناك الكثير والكثير لتقوم به الفتاة العزباء، لكن هُناك مَن يُحببنَ التعقيد مع الأسف، فيُمارينَ بما ليس لهنّ به علم!

وآه، كم أنّ هذا القلب ليشفق على نسوة يفكرن بهكذا تفكير، وإنني لأعجب أيّما عجب لامرأة تجد من يُغدق عليها بحنانه وعطفه ونفقته، فتعصيه وتكسر ظهره بتمردها. والعجب كل العجب، ممن تخالف شرع ربها، تكون زوجة وأُم، ولديها أبناء يحتاجون عطفها وحنانها، وزوج يغار عليها ويُحبّها ويداريها، ويصحّح أخطاءها، وإن فكّرتْ حمقًا بما قد يضُرّ بأسرتها يمنحها فرصةً للعدولِ عن تفكيرها، ويسعى من أجلها سعيًا مشكورا، فتُصِرّ على قرارها وعصيانه!

ثُم أنّ خروج المرأة من بيتها يكون سببًا لوقوع الفتنة، وقرارها في بيتها يُعادل جهاد المُجاهدين في سبيل الله، وقد روى الطبراني وأبو يعلى عن أنس -رضي اللّٰه عنه- قال: (أتت النساء رسول الله ﷺ، فقلن: يا رسول الله، ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله، فما لنا عمل ندرك به عمل الجهاد في سبيل الله؟ قال ﷺ: “مهنة إحداكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله”). أما كفاكِ هذا الشرف يا أُخيّة، أن قراراكِ في منزلكِ لوحده يُعَد جهادًا؟ فما بالكِ وجهادكِ لنفسكِ، وجهادكِ في تربية أطفالكِ، وجهادكِ قبل هذا في طاعة ربكِ، ثُمَّ والديكِ، ثم زوجكِ إن صار لكِ زوجًا؟ كل هذا جهاد في سبيل اللّٰه، وأعمال صالحة قد مكنكِ اللّٰه منها لتجعَل ميزان حسناتكِ ثقيلًا يوم القيامة، حتى لتُدركي الجَنّة برحمة اللّٰه وإذنه في جهادٍ وعملٍ صالح من كل هذا! واللّٰه لهذا هو الشرف والتشريف! فالزميه.

كما لا تنسي يا غالية حديثه ﷺ عن استشراف الشيطان للمرأة حال خروجها من بيتها، حيث قال -بأبي وأمي هو-: “المرأة عورة، فإذا خرجتْ استشرفها الشيطان”. ولو أردتِ الاستزادة في هذا الباب فإنّي أوصيكِ بكتاب: (استشرفها الشيطان)، للأخت الفاضلة: مارية بنت عبد الرحمن -جزاها اللّٰه خيرًا-، ستجدين بهِ من القصص والعِبَر ما يجعلكِ تُفضّلين قراركِ في بيتكِ الدافئ، على خروجكِ لأي سببٍ كان، ولو حتى اضطراريًا، لخرجتِ مكرهة على ذلك؛ لشدّة ما تحبين بقاءكِ في بيتكِ الآمن.

فارحمي نفسكِ أُخيَّتي يرحمكِ اللّٰه، وأصلحي حالكِ يا غالية أصلحكِ اللّٰه، ولا تتبعي طريق الشيطان فهو عدونا المبين، وابتعدي عن دروب الفساد ما استطعتِ لذلك، تلك الدروب التي زينها الغرب لنسائنا بمصطلح “النسوية” حيث قولبها بالتصفيق وقد حشاها بالمكر والخداع ليهزموكِ ويهزموا أُمّتكِ العظيمة، والتي بثباتكِ تثبُت، وبسقوطكِ تسقُط! فزرعوا في عقلكِ حُب الخروج والظهور ومُنافسة الرجال في ميدان العمل؛ ليُفسدوكِ وينتصروا عليكِ ودون علمكِ!

ولتعلمي أنّ مصطلح النسوية وحُب الخروج وعدم القرار في المنزل ومنافسة الرجال وغلبهم؛ إنما كان لنساء غربيات مُضطهدات، قد عانين الظلم في المجتمع الغربي لما ليس لهن من كرامة. أمّا أنتِ؛ فأنتِ الكريمة والأصيلة والعزيزة والشريفة الملكة، وقد جعل الله لكِ في هذا الدين مكانة عظيمة وكرّمكِ وشرّفكِ، فما من داعٍ لأن تتّبعي مُصطلحًا غربيًا فاسدًا، مقولبٌ بالجمالِ للرائي بالبصر، وهو أبشع ما يكون للرائي بالبصيرة!

وتذكري -حفظكِ اللّٰه- أنّ النسوية قد غزت تفكير معظم نساء هذا القرن، حتى صرنَ يتشبّثن بها كما لو أنها مُعتقد! -والعياذ بالله!-، فلا تكوني مِمَن قال: (الموت مع الجماعة رحمة) لتمشَي مع القطيع! خالفيهنَّ والزمي بيتكِ، فهو ثغركِ الذي تذودين منهُ عن دينكِ العظيم، وتمتثلين به لأوامر ربكِ من خلاله، فالمكوث به جهاد وخير عبادة تقوم بها المرأة المُسلمة الصالحة.

اثبُتي وجاهدي، ولا تسمحي لأي نسوة كنَّ أن يؤثرن على تفكيركِ الحسن وأن يُغيّرن فطرتكِ السليمة. ومَن تأتيكِ لتبُثّ فيكِ سمومها ولتصُب عليكِ جام فسادها مُدعيةً النُصح لكِ، كأن تقول لكِ: اخرجي واعملي، ومارسي هواياتكِ، وعيشي حياتكِ، وأبدعي لتجني أموالًا طائلة تُغنيكِ فلا تحتاجين لأحد بعدها، ولا تحبسي نفسكِ بين أربعة حيطان ونحنُ قد صرنا في عصر التطور والنّاس تتقدم وأنتِ ماكثة على حالكِ!

ومن هذهِ الكلمات المسمومة المُنمقة التي يتداولنها معظم نساء العصر، فيصدقنها ضعاف الإيمان ويعملن بها، وأنتِ يا من تؤمنين بربكِ وتمتثلين لأوامره، لا تصدقيها.. ولتعلمي أنه واللّٰه ما كان لرجُل حُر وعزيز أن يقبل بامرأة كهاته! فالمرأة الصّالِحة العقيلة، والسّيدة المَصونة الشّريفة، والزوجة الكريمة العفيفة، هي من تطيع ربّها، وتلزَم بيتها، وتخدُم زوجها، وتُحسِن تربية أبنائها، وتدعو لِما هو خير.. والله سيُعوضكِ الجَنة، خيرًا من كل هذه الدنيا ومفاتنها ومتاعها وملذّاتها.

ستطيب نفسكِ وتقرّ عينكِ، ويُجبر خاطركِ على صبركِ العظيم في زمن الفتن. والله سُبحانه وتعالى حاشاه أنْ يُضيع أجر الصابرات المُحسنات لأنفسهنّ وللآخرين، المُحتسبات الأجر منه وحدهُ، العازفات عن الدنيا، الزاهدات فيها، والمُتمثلات لأوامره ﷻ.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة