ولقد نظرتُ طويلًا في خصال الإنسان العربي، وتأملتُ مليًّا في أصول فضائله، فوجدتُ أنّها لا تعدو أن تكون جملةً من المزايا التي اصطبغت بصبغةِ الأرض والرُّوح والكلمة، وقد جُمِعَت سِماته في بيتِ شعرٍ لشاعرٍ شَغل النّاس، فشُغِلوا بهِ، حيثُ قال:
"فَالخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ"
وقد جُمع في هذا البيت كلّ ما يُناط بأصالة الإنسان العربيّ وشرفه. فالخيل يرمز للفروسية، والسيف يرمز للشجاعة، والقلم يرمز للعِلم، وبيت الشِّعر يرمز للُغة العربيّة، وكلهم يرمزون للجهاد! وهذا البيت لوحده قد جمع بين كُل ذلك، ولو وُزِنا بالذهب لرُجّح!
فأما الخيل، فهي ركنٌ أصيلٌ في وجود العربي، بل هي جزءٌ لا يتجزّأُ من كيانه. فما عرف العرب حضارةً قامت إلا على صهوات الجياد. ولم تكُن الخيل بالنسبة لهم مجرد دابة تُركب فحسب، بل كانت رفيق دوربهم، وأنيس وحشتهم، وشريك نصرهم، ورمز العزّة والأنفة والشجاعة عندهم -وحتى يومنا هذا هي كذلك-، فمن ذا الذي يذكر أمجادَ العرب دون أن يتراءى له فارسٌ يمتطي جوادًا أصيلًا يقطعُ البيداءَ والفيافي المقفرات كالسهام النبال؟ وهذا تجسيدٌ للشجاعة، والسرعة، والقدرة على المواجهة، والإباء والقوة والإقدام، وهي صفاتٌ لا يتخلى عنها عربيٌّ أصيل.
أما السيف والرمح، فليسا بمفصولين عن هذه الخصال الشريفة. فلقد كان السيف -وما يزال- رمزًا للقوةِ والمنعة، وأداةً للدفاع عن النفس والعرض والدين والشرف. كما يُعَد جزءًا من أصالة الإنسان العربي، ورمزًا لعزّتهِ، حتى قيل: “ذُلَّ مَن لا سيفَ لهُ”!
ولم يكن السيف في يد العربي آلة بطشٍ فحسب، بل كان أداةً للحقّ، يُشهَر في وجه الظلم، ويُستل لنصرة المظلوم. وهو كذلك تجسيدٌ للشجاعة والإقدام، تلك الصفات النبيلة، والتي لا يُمكن فصلها عن صورة العربيّ الأصيل أيًّا كان. فالشجاعة، ليست مجرد تهوّر، بل هي إقدامٌ محسوبٌ في سبيل الحقّ والذود عن العرض والدين.
والخَيل والسّيف والرّمح، يُمثّلون الجهاد؛ فقد كان العرب -منذ فجر الإسلام- حملةَ لواء الجهاد، يذبّون عن حياض الإسلام، ويذودون عنهُ؛ نشرًا لنور الحقّ في كلّ مكان. والجهاد هُنا، ليس القتل والتدمير، بل هو جهادُ إعلاء كلمة الحقّ، وصيانة الكرامة، ونشر العدل. وهو التضحية بالنفس والنفيس في سبيل الله، والدفاع عن المُستضعفين، ومُقارعة الظُلم والظالمين.
ثمّ نأتي إلى القرطاس والقلم، وهما وجهٌ آخر لأصالة العربي. فما قيمةُ القوة دون علمٍ وحكمةٍ يوجّهانها؟ ولقد أولى الإسلام العلمَ مكانةً عظيمة، وحثّ على طلب العلم من المهد إلى اللحد. فالعربي المسلم، ليس مُجاهدًا شجاع فحسب، بل هو أيضًا طالبُ علمٍ وباحثٌ عن الحكمة، يدوّن المعارف، وينقلها للأجيال التي ستحمِل لواء العِلم بعده؛ لتُكمل طريقهُ بحكمةٍ وعلمٍ وبصيرة.
وبما أن البيت شعريٌّ قد جمع بينهُ وبين اللغة العربية، فالشِّعر معلومٌ عنهُ أنهُ ديوان العرب، ومنبع فخرهم، ولسان فصاحتهم. فبهِ يُوثّقون الأحداث، ويُخلّدون البطولات، ويُسجّلون مآثرهم، وبهِ يُعبّرون عن مكنونات نفوسهم. وبهِ تتجلى اللغة العربيّة بوضوح، والتي هي وعاءُ القرآن الكريم، فلم تكن اللغة العربية يومًا مجرد أداة للتواصل فحسب، بل هي كنزٌ من كنوز المعرفة، ورمزٌ للهوية والعروبة، فبها صاغ العربُ أروعَ القصائد، وأبلغَ الخُطب، وأعمقَ الفلسفات، وهي دليلٌ على بلاغتهم وحكمتهم.
فإذا ما جمعنا هذه الرموز -الخيل والسيف والشِّعر-، رأينا كيف تتكامل مع بعضها؛ لتشكّل هويّة الإنسان العربيّ المُسلم بأبهى حلله: فارسٌ شجاعٌ يذود عن حماه بسيفه ورمحه، يمتطي جوادهُ الأصيل، وهو في الوقت ذاته، لسانُ حقٍّ يُعبّر عنهُ بالشِّعر والفصاحة والبيان، ومجاهدٌ صنديدٌ ينصر الحقّ، وعالمٌ لبيبٌ يستنير بنور العِلم. وهذه الصفات لا تأتي متفرقةً، بل تكون متماسكة كبنيانٍ مرصوص، وكلٌّ منها يشدّ الآخر ويقوّيه. وهي أصالةٌ متجذّرةٌ في تاريخ الإنسان العربي المُسلم الأصيل، حاضرةٌ في نفسهِ، تجعل منهُ نموذجًا فريدًا في الشجاعةِ والفروسيّة والفصاحة والعِلم والجِهاد.
فهل أدركنا الآن، سرَّ هذا البيت البليغ، وكيف اختصرَ فيه الشاعر جوهرَ الإنسان العربيّ الأصيل؟










