أنـس الشريـف، بمَ نرثيك؟ وكيف عن بكائك نتوقف؟ من يقنعنا أنك غبت أبدًا، وأنّا لن نسمع هذه الجملة، ونشاركك ألمك؟ وأن تغطيتك لمجازر أعداء الله انتهت؟ وأنك خلعت درع الصحافة راحلًا نقيض المرة الأولى، عندما خلعته عند وقف إطلاق النار؟ من يقنع الحياة وثراها أن ونسها غادرنا؟ أي أنس يحل محلك! وأي وحشة تضاهي وحشة رحيل ابن غزة!
حمدًا لله أنك فارقت هذه الدنية -ونحسبك والله حسيبك- أنت وصحبك ورفاقك إلى العليّة، وهذا ما يسلينا، وعنا يخفف المصيبة، ونرجو من الرحمن أن تكون من الذين أخبر عنهم بكونهم:
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
ربط الله على قلوب أحبتك، وابنتك شام، وابنك صلاح، وأقام من شواهد الإيمان فيهم ما يخفف عنهم المصاب.
نشهد الله أنك أديت الأمانة كما نحسبك، ونقلت أصوات المحزونين المنكوبين، وصبرت وجاهدت، وحييت حياة شيخ كبير رأى من المصائب ما رأى، وسعيت في حماية حياة إخوتك، والذود عن محارمك، وإقامة أصلاب الجوعى وتبليغ رسالتهم، ولم ترتح منذ بدأت الحرب رباطًا في سبيل الله، وآثرت الجهاد وحلاوة أجره مع مرارة الوغى وشدتها وثقل الأمانة وتعب الروح والجسد على الراحة ومساكن بلا ضجة المعترك، وأزيز الرصاص وقصف الطائرات، مع فرصتك على نيل ذلك، وما هذا إلا شاهد آخر يخبر بكل ما فيه عن أصالتك، حتى علم صدقك الجميع، وشهد لك القريب والبعيد، والعدو والصديق، نعم، حتى الأعداء علموا صدقك، ولأجله اغتالوك، ولعلو همك وهمتك ومهمتك فرقوا بين صوتك والعالم، وظنوا أن هذا بداية فتح عليهم، ولكنه بداية الجحيم، وولادة ثأر ووجع وحقد كبير؛ ليجتث أصل المجرمين الدنيء بإذن ربنا، ووصية الشريف ومن سبقوه في درب الشهادة راية عالية لا تهتز، ولن يبرد لنا دم، أو يرف لنا جفن حتى تصليكم سقر، إن شاء الله.
وإن لكل عدو من أعداء الله، ولكل متخاذل، ومقصر، وخائن، وشاهد ساكت صامت عن المجازر نصيبًا من عذاب الله، ما لم يتوبوا ويصلحوا وينصروا عباد العزيز المؤمنين، ويقدروا ربهم حق قدره، ويخشوه حق خشيته، أن يصيروا من تبع يخشون فساق الدنيا وعَبَدتها إلى خشية الله وطلب رضاه وحده، ويتحركوا ويتضرعوا خالقهم لينصرهم ويرفع الابتلاء، وكما قال أحمد شقير: “مَن بكى بصدق لموت الشهداء ثم لم يتحرك بقوة وصدق وعزيمة لإصلاح نفسه وإصلاح أمَّته، فحزنه كاذب كاذب كاذب”.
نسأل الله أن يرحمنا ويعفو عنا، ويغفر لنا التقصير، ويكتبنا مع من نصر عباده الموحدين ولم يرضوا لهم الألم ولحرمات ربهم الانتهاك، ويبيضَ وجوهنا ويصطفينا شهداء.










