حين لا يحتاج الإنسان إلى سببٍ ليقتل

|

يقول بعضهم: “الآن فقط انكشف وجه الغرب المسعور، بدعمه العلني للكيان الصهيوني في فلسطين.”
لكننا نعرف ذلك الوجه منذ غزو العراق!
وهل يُمكن لأحدٍ أن ينسى تلك المشاهد؟
اقتحام البيوت، تصفية المدنيين، السجون السرّية، التعذيب، التجويع…
كانت مشاهد تفتك بالعقل والقلب معًا.

في اليمن، حاول الناس تفسير تلك الوحشية، فراجت إشاعةٌ تُعبّر عن محاولةٍ بائسة للفهم، تقول إن جنود أمريكا وبريطانيا ومن شاركهم في غزو العراق هم في الحقيقة أطفالٌ غير شرعيين، تخلّى عنهم آباؤهم وأُلقي بهم في دور الرعاية، فربّتهم الدولة تربيةً عسكرية بلا حنانٍ ولا رحمة، فخرجوا كائناتٍ مشوّهة نفسيًا، لا تحتمل رؤية السعادة في وجه طفل، أو دفء عائلةٍ مجتمعة.
وقيل الأمر ذاته عن جنود روسيا في الشيشان وأفغانستان.

لكنني، وبكل يقين، لا أرى أن الإنسان يحتاج بالضرورة إلى ماضٍ قاسٍ ليتحوّل إلى وحش.
لقد رأينا صور هؤلاء الجنود وهم يعودون إلى أوطانهم، يركض أطفالهم نحوهم بلهفة، يحمل أحدهم طفلًا صغيرًا ويمسح على رأسه، بعد أن قتل المئات من أطفالنا!
يقبّل آخر زوجته بحرارة، بعد أن اغتصب نساءنا!
لم يكونوا أبناء شوارع، ولا ضحايا حقدٍ أو حرمانٍ… كانوا أبناء بيوتٍ، محاطين بالدفء، والحب، والعائلة.
ومع ذلك، فعلوا ما فعلوا.

لذا، حاولوا مجددًا فهم الأمر بالتبرير:
“لأنهم ليسوا إخوتنا في الوطن، ويخالفوننا في الدين، وعداوتنا قديمة، تعود إلى عصر الإمبراطوريات.”
لكن في سوريا، شاهدنا أبناء البلد الواحد، من أتباع بشار الأسد، يرتكبون الجرائم ذاتها بحقِّ إخوتهم، رغم وحدة الوطن، واللغة، والدين!
أتُراها مسألةً طائفية؟
أشكّ في ذلك، فها هو الجيش المصري ذبح أكثر من أربعة آلاف متظاهرٍ في يومين، من دون أي اختلافٍ مذهبي!

والمفارقة المؤلمة أن الجلّاد لم يكن يملك ثأرًا شخصيًا ضدّ ضحيّته، لم يكن هناك تاريخ دمويٌّ مشترك، ولا حكاية انتقام، بل كان يقتل فقط… لأنه يستطيع أن يقتل.

لذلك أؤمن أنّ الإنسان لا يحتاج إلى سببٍ ليطفئ نور الحياة في عيني أحدهم، أو لينتهك كرامته وجسده.
ما يردع الإنسان عن الوحشية أمران:
دينٌ صادق، أو ضميرٌ حيّ.

والدين، حين يُحرّف، يصير أداةً للدمار…
فكل ما تحتاج إليه لتُطلق الوحش من قفصه، أن تُقنعه بأن الدين يسمح بهذا، وأن الجنة مضمونةٌ بعد المذبحة.
أما الضمير، فاقتله بإقناعه أن من أمامه لا يستحق الرحمة، وأن تعذيبه “رسالةٌ للإنسانية”!

لكن ها هو نور الإسلام يشرق في لحظةٍ فارقة:
يُروى أن الشهيد إبراهيم بن نزار، حين وقف أمام صورة الطفلة إيمان حجو _ التي قتلها الاحتلال قبل أكثر من أربعةٍ وعشرين عامًا وهي في عمر ثلاثة أشهر _ قال غاضبًا:

“لو مكنني الله منهم، لأقتلنّ صغيرهم قبل كبيرهم!”
فردّ عليه والده بحزم:
“أما الصغار، فلا. لا ذنب لهم، وديننا ينهانا أن نعاقب أحدًا بجريرة غيره.”

وهكذا فعل إبراهيم فعلًا؛ حين نفّذ عمليته تجنّب قتل الأطفال وأمّهم.
ولعلّ هذا ما قيل أيضًا لأبطال عملية السابع من أكتوبر، لذا لم نرَ مشاهد موثقة لانتهاكاتٍ من طرفهم، بل فقط ادعاءاتٌ جوفاء من قبل الاحتلال الذي لا يخجل من الكذب، إذ يزعم أن “حماس تقتل الأطفال”، فيما تبثّ عدسات الإعلام على الهواء مجازره في حقّهم!

لكن ما أخشاه حقًا…
أنّ أطفال غزة اليوم، حين يقفون أمام أشلاء أحبّتهم، لا يجدون أبًا أو أمًّا يربّت على كتفهم ويقول بحنان:

“أما الأطفال، فلا…”
فالاحتلال سرق منهم كلَّ شيء: الحنان، والبيت، والدفء، والقدوة.

فإذا ما جاء اليوم الذي يردّ فيه هؤلاء الأطفال الصاعَ صاعين،
لا أظن أن الاحتلال سيرى الرحمة مجددًا…
ما لم يجد هؤلاء الأطفال من يُهذّب جذوة الغضب داخلهم بتعاليم الإسلام الصافية،
ويُوقظ فيهم صوتَ الضمير.

فالإسلام، حين يُفهَم كما أراده الله، لا يُربّي مقاتلًا متعطّشًا للدماء،
بل يُهذّب النفس، ويقوّم القلب، ويوجّه السلاح حيث يجب،
في سبيل الحق، دون ظلمٍ أو تعدٍّ.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة