بعيدًا عن مهاترات النسوية والذكورية، هناك ثقل كبير على كاهل الرجال، متمثِّلٌ في كونهم الصخرة التي يستند إليها الجميع. جميع القلوب تتألم، لا خلاف في ذلك، لكن يظهر التباين عندما يُضطرُّ الرجل إلى أن يعضَّ على ألمه ولا يبدي حتى مشاعره.
يخبئون دموعهم كي لا نخاف أكثر، وقلوبهم متعبة من الوجع الذي أُجبروا على إخفائه كي يمدَّوا أكتافهم للآخرين كحائطٍ صلب. لكن حتى أصلب الجدران تتشقق!
أعني: كان هناك في المستشفى والدان؛ ابنتهما البالغة عامين ستخضع لإجراء غسيل كلوي، وقد يرافقها إلى الأبد إن نجت. كانت الأم تبكي وتنتحب. إذا نظرت إلى الأب ستقول: هذا قلبه قد صُنع من المرمر، محال أن يحمل مضغةً تنبض!
يضع الأب يده على كتف زوجته، يواسيها بتجلد:
“بإذن الله تشفى، وإن لم يحدث فهذا قضاء الله وقدره، الآن اذهبي اغسلي وجهك وسأتبعك.”
وبمجرد أن ذهبت زوجته، جلس على الكرسي، دفن وجهه بين كفيه، وارتجَّ جسده دليلًا واضحًا على بكائه. لم يكن بلا قلب كما ظننت. كان فؤاده مثل فرن مشتعل، لكنه أغلق عليه كي لا يحرق الآخرين بحرارته.
أجبرته الحياة أن يكون هادئًا، صلبًا، ومطمئنًا، حتى تهدأ زوجته، حتى لا تخاف أكثر، حتى تحتمل. لكنه إنسان، والإنسان ينهار حين يخلو بنفسه.
سيحدثني البعض عن حالات لنساء متجلدات صلبات، لكنني أرى هذا يحدث غالبًا في غياب الرجال، أو في حضرة رجل لا يحمل العبء عنها، فتضطرُّ المرأة اضطرارًا إلى أن تبلور قلبها فيصبح ألماسًا قاسيًا!
بالطبع يخبرني البعض عن أولئك الرجال الذين لا يحتوون نساءهم، ويكونون ألمًا فوق الألم، لكنني أحكي هنا عن الغالبية من الرجال، لا عن الاستثناء. المرأة حين لا تجد كتفًا يسندها، تضطر أن تكون هي الصخرة.
والرجال حين يجدون نساء يبكين بين أيديهم، يقمعون بكاءهم كي يكونوا هم الجدار الذي لا يسقط. حين يكون الرجل مع نساء منزله وأطفاله _ وهم ينهارون _ يصبح مجبرًا على كتمان زلزالِه الداخلي، ليس لأنه لا يشعر، بل لأنه يرى نفسه آخر عمود قائم في بيتٍ يتداعى. لو انهار هو أيضًا، انتهى كل شيء. عقله، حتى في تلك اللحظة المرعبة، يصرخ فيه:
“تماسّك! هؤلاء يستندون عليك!”
فيخنق صرخته، ويبتلع دموعه، ويدفن رعبه. لكن إن فقد الرجل هذا الدور _ إن لم يكن حوله أحد يحتاجه _ ينهار. وهذا ليس ضعفًا، بل إنسانية خالصة. يوم لا يرى حوله امرأة تنظر إليه مستنجدة، أو طفلًا يبحث في وجهه عن الأمان المفقود، يسمح لنفسه أن ينهار. في اللحظة التي لا يحتاجه فيها أحد، يطلق سراح وجعه، فيبكي، وينتحب، ويتلوى من الألم مثل أي إنسان، لأن دوره المؤقت كجدار قد سقط، ولم يعد له حاجة في تلك اللحظة.
أندهش من الصلابة التي يُعجن بها الرجال، والتي تُقدَّم بها قلوبهم كي يحملوا الآخرين، ليظهروا كجبال أمامنا. وعندما يتخذون ركنًا خفيًا، ينتحبون كطفلٍ يريد حضن أمه. هم السند والركن الشديد بعد الله تعالى، لكن من يسند السند؟ حتى الجبال تنهار مع الزلازل.
أظنُّ أن الرجولة شعور عظيم لكنه مكظوم. لا تعني غياب الضعف، بل إخفاءه كي يقوى غيرك. أجد فيها قسوةً على الذات لكن رحمةً بالآخرين. هي كتمُ البكاء كي لا ينهار البيت، إنكارُ الرعب كي لا ينهار الأطفال، دفنُ القلق كي تهدأ الزوجة، ثم الانهيار عند الاختلاء بالنفس.
تعقيبًا على ما سبق، أستحضر ذلك المشهد في غزة… صورة حيّة للإنسانية المصلوبة على خشبة الفجيعة، عارية من الزيف، عندما كانت أم يوسف تركض في أرجاء المستشفى بحثًا عن ابنها. من يراها يظنها مجنونة من شدة بكائها وصراخها.
طفلها الآخر كان يتشبّث بوالده الطبيب، يضربه، يصفعه، وهو يصرخ في حالة هلع بسبب القصف. وتصرخ الزوجة على زوجها:
“أين يوسف؟!”
كأنَّ الأمر بيده!
الأب الطبيب كان هو نفسه مذهولًا بوصول عائلته كضحايا الغارة، ومع هذا، قال لها بهدوء مخنوق:
“طيب… الآن… أدور عليه.”
كانت الأم ملهوفة الفؤاد تسأل كل من تراه:
“يوسف… أبيضاني، وحلو، شعره كيرلي…”
ثم وجدوه… أشلاء.
لتبدأ موجة الصراخ الأخرى من الأم، والجدة، والأطفال، ونسوةٍ أخريات _ أظنّهن من أقاربهم. بينما الأب… لم يفعل شيئًا سوى أن احتضن زوجته، وربّت على ظهرها، وحاول أن يحمل ابنه الصغير؛ ذاك الذي كان يرفس ويعارك في حالة انهيار.
علِقت الكلمات في حنجرته فلم يستطع حتى الحديث. لكنه لم يبكِ. لم ينهَر مثلهم. ورغم كل هذا… لا يزال حتى الآن أسيرًا في قبضة الاحتلال، لا يعلم أحد: أهو حيٌّ أم ميت؟
رجلٌ فقد ابنه. سُحق قلبه. لكنه قمع صرخته ليحتضن زوجته، ويهدّئ صغيره الذي يضربه من شدة الرعب.
تلك اليد التي كانت تخيط جراح الناس طبيبًا… حاولت وقتها لملمة أشلاء أسرته وتضميد فجيعتهم. ولم يسمح لنفسه أن ينهار.
يا الله! ما أوجع هذا!
لم يتركوه حتى ليحزن بحرية! لم يسمحوا له حتى أن يدفن ألمه مع جسد طفله!
ما لاحظته في مقاطع غزة… إن كان الرجل بصحبة زوجته أو أطفاله، لا ينهار، يقاوم لأجلهم. أما إذا ما كان وحيدًا، ينهار تمامًا.










