الكِبْرُ مرضُ هذا العصر، يتسلّل إلى القلوب خفيةً فيُضعِف النفوس ويفتك بالمجتمعات، ويُبعِد صاحبه عن الخير.
كم من نفسٍ اتّخذت الغرورَ ستارًا لتغطية ما فيها من عيوبٍ ونقائص! فتجد بعض الناس يستكبرون على غيرهم لأجل جنسيةٍ أو قبيلةٍ أو مالٍ أو وظيفةٍ أو جاهٍ.
وكم من قلبٍ امتلأ كِبْرًا دون أن يشعر صاحبه! ترى أحدهم يزدري الناس بنظره، أو يترفّع عن السلام على من يظنّه دونه، أو يتحدث بتعالٍ على من خالفه.
وأيُّ ثمرةٍ تُجنى من هذا التعالي، وكلُّ ما نملك إنما هو فضلٌ من الله وحده؟
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
فأضحت هذه الظاهرةُ منتشرةً بين المسلمين انتشارَ النار في الهشيم – إلا من رحم ربي -، متناسين خطورتها وتحذير النبي ﷺ منها.
قال رسول الله ﷺ:
“لا يدخلُ الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذَرّةٍ من كِبْرٍ.”
فمن منحك النعمةَ قادرٌ على أن يسلبها منك؛ حتى بصرك الذي تنظر به ازدراءً للناس قادرٌ على أن يذهب به، ورأسك الذي ترفعه كِبْرًا واستعلاءً قادرٌ على أن يُطأطِئَه ذلًّا وهوانًا.
والأجدر بك أن تكون حامدًا شاكرًا لله على آلائه، وأن تجعل ما أعطاك الله وسيلةً لمدّ يد العون لإخوانك المحتاجين.
وتواضعْ، فإن في التواضع رفعةً وكرامة، وعلى النقيض، التكبرُ يُزري بصاحبه ويُذلّه.
واعلم أن خُلُق الكِبْر خُلُقٌ ذميم، ليس فقط لأنه مدعاةٌ لغمط الناس والسخرية بهم، بل لأنه خطرٌ على إيمان المسلم أيضًا؛ فقد يُعمي صاحبه عن الحق، فيرى الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلًا، وربما يجرّه إلى ما هو أدهى.
بل الكِبْرُ من أخبث صفات الشيطان، وهذا وحده كافٍ لأن يجعل النفس السويّة تفرّ وتشمئزّ منه.
ولتُدرِك مدى خطورته حقًّا، تذكّر أن أول معصيةٍ عُصيَ اللهُ بها في تاريخ البشرية كانت جريمةَ الكِبْر، حين رفض إبليسُ أمرَ الله بالسجود لآدم عليه السلام متعاليًا متكبّرًا:
﴿قَالَ أَنَا خَيرࣱ منه خلقتني مِن نَّارࣲ وخلقته مِن طينࣲ﴾،
فأذلَّه الله بعد أن كان عزيزًا متعبِّدًا آلافَ السنين:
﴿قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا یَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِیهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِینَ﴾.
لم يكن حينها من يوسوس له سوى نفسه الأمّارة بالسوء، فغرّته، فصار إلى ما ترى.
فلنراجع قلوبَنا ونفوسَنا، فإذا وجدنا فيها ما يُعكِّر صفوَها، فلنسارع إلى تطهيرها، ولنتواضعْ لله، لعلَّ اللهَ يرفع مقامَنا عنده.
واستحضر دائمًا قولَ الله تعالى في كل حين:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.










