تعقيبًا على قول الدكتورة ليلى – حفظها الله – :
“الشعوب التي اعتادت على صوت الرصاص والمدافع ورؤية الدماء ودفن الشهداء، والتي تهدمت بيوتها ولم يعد لها ما تتعلق به من متاع الدنيا، هي الأكثر استعدادا لخوض الحروب الطويلة الفتاكة. فإذا أردت أن تصنع التوحش في شعب، اقتله بلا رحمة!”
هذا الواقع النفسي والاجتماعي يبرز تجربة الأمة في ساحات الابتلاء؛ فالتعرّض المتكرر للنكبات والخسائر يُخفّف من تعلق الإنسان بالملذات المادية ويحوِّل بوصلة الهمّ من الحفاظ على الممتلكات إلى الحفاظ على القيمة والقضية. التجاربُ الموجعة تُشَكِّل وعي الجماعة: تصبح الأولويات معنوية، والالتزام بالقضية أقوى من الالتزام بالماديات. لكن لا يجوز أبدًا استثمار هذا الفقد لتبرير القسوة أو الردّ بالظلم؛ بل يُفهم من ذلك كيف أن الابتلاءات قد تصهر النفوس لصمودٍ أكبر إذا صاحبها وعيٌ شرعي وروحي صحيح.
والفرق الشاسع بين الشعوب المؤمنة بقضيتها والمسلمة وبين الشعوب المترفة واضحٌ؛ فالشعوب المسلمة التي تُبتلى وتُباد وتُنتهك أرضها وعرضها هي من أشدّ الشعوب إيمانًا وقوةً ونضالًا، ونظير ذلك الشعوب المترفة هي الأكثر هشاشةً وميلاً إلى اليأس أو الانتحار، لأن الإسلام يبني الإيمان ويبني القلب ويقيم بناءً معنويًا لا يَركنُ إلى الماديات. هذا الفرق لا يُقاس بثروةٍ أو رفاهيةٍ فحسب؛ فالإيمان يعطي معنىً للمعاناة ويحوّلها من عبءٍ محض إلى مشروعٍ معنوي. يقول الله عن الذين يُقتَلون في سبيله: «أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ». فالمقاييس عند الله تختلف عن المقاييس الدنيوية، والإيمان يخلق قدرةً داخلية على الثبات لا تُشترى بالماديات.
إنَّ اليمنَ والشامَ والعراقَ لا يَخفى على أحدٍ مكانتُها العظيمةُ في الإسلام، قديمًا وحديثًا؛ فمِنها المَدَدُ والعونُ، وفيها جُندُ اللهِ وأنصارُ دينِه. وقد وردت في فضلها أحاديثُ نبويةٌ تُظهر ما خصَّها اللهُ به من خيرٍ وبركةٍ، ولذلك كانت هذه البلادُ محلَّ عنايةِ اللهِ ورحمتهِ؛ يهيِّئُ لها من المِحَنِ ما يُزكِّي أهلَها ويُعِدُّهم لغايةٍ عظيمةٍ شاءها اللهُ لهم.
أستحضرُ قصةَ الخنساءِ كمثالٍ حيّ على تحويلِ الحزن إلى فخرٍ وشهادة؛ كانت شاعرةً ترثي أخاها صخر قبل الإسلام، وبعد استقرارِ الدينِ وتحقّقِ أمرِ الجهادِ صارت مواقفُها ورثاؤها تعبران عن معنى التضحية في سبيل الدين؛ فقد فقدت أولادها الأربعة في معركةٍ واحدةٍ، فحمدت الله أن يكونهم فداءً في سبيله. هذه الحكاية تبيّن أن الأمَّ المسلمة قد تحتمل ألمَ الفقدِ وتجعله وقودًا لبناء إيمانٍ أعمق؛ فالروحُ المأطَّرةُ بالعقيدة لا تنهار أمام الفقد، بل ترى فيه معنىً ساميًا وشاهدًا على البذل في سبيل الدين والأمة.
الشعوب العربية والمسلمة التي اليوم تعاني وتتسع بها الحروب هي الشعوب التي قد تقود انتصارات الأمة؛ ومن يصرّ على قول: «افتحوا الحدود» فليعلم يقينًا أن القلوبَ قد تكون مستعارةً، لكن هل أعددنا العدة؟ هل نحن قادرون حقًا على حمل السلاح وخوض حرب نفسية لسنوات كما خاض أهلُ غزة غمارَها بشراسة؟ الواقع العملي لا يغني عن العاطفة؛ فالثبات والشجاعة وحدهما لا يكفيان دون إعداد فعلي وتخطيط وتدريب وتنظيم وسياقٍ نفسي واجتماعي متين. من يطالب بقرارات استراتيجية كفتح الحدود يجب أن يجيب أولًا عن سؤالِ الاستعداد: هل الجيلُ مدرَّب جسديًا ونفسيًا؟ هل هناك بنى لوجستية واستراتيجيةٌ قادرةٌ على تحويل الصمود المعنوي إلى قدرةٍ عملية؟ المعركة الطويلة تتطلب قدرةً على الصمود النفسي لسنوات، لكنها تحتاج أيضًا إلى المهارات والتدريب والتنظيم الذي يُحوِّل الصمود إلى انتصارٍ ملموس.
هل علمتم أولادَكم السباحةَ والرمايةَ وركوبَ الخيل؟ هل أعددتم ما استطعتم؟ هنا المفارقة. إنَّ الله سبحانه رحيم حتى في الابتلاء؛ فهو يعلم بأن أهلَ غزة قادرون بعونه على تحمل كل المصائب والبلايا التي أمطرت عليهم. لُقِّنوا وهم صغارٌ على الرباط وحمل السلاح، فكانت أمانيهم وأحلامهم تختلف اختلافًا جذريًا عن أمانينا وأحلامنا، حتى لو كان في خلجات صدورهم أمنياتُ أن يكونوا مثلَنا. لكن القضاء والقدر وحكمة الله علّمَتْهم مقامَ الدنيا وحقيقتها.
المنظور الإسلاميُّ للابتلاء يربطه بالامتحان والرفع؛ والابتلاءُ قد يكون بابًا لصقل الأمة وإخراج جيلٍ أقوى. كما أن التراثَ التربويَّ للسلف اهتمّ بتكامل التربية الروحية والجسدية؛ فتعليمُ المهارات كالسباحةِ والرمي وركوبِ الخيل كان من طرق إعدادِ النشء لحياةٍ تتطلّب قدرةً بدنية وتنظيمية إلى جانب الإيمان. هذا التوازن بين قلبٍ معلق بالله ويدٍ مؤهلةٍ للقتال أو الدفاع أو العمل هو سرّ القوة المستدامة للأمم المؤمنة. كم رأينا أطباء ومهندسين ومزارعين يحملون السلاح؛ ففي الجهاد تسقط الدنيا والرتب، ويبقى السبيل والغاية.
الشجاعةُ الحقيقيةُ للمسلم ليست في كثرةِ الأصوات، ولا في قلّةِ النُّصرة،
بل في أن يكون هو صوتَ الحقّ، عاليًا مثلَ المآذن، صامدًا رغمَ الرياح.
فإنَّ الحريّةَ في الإسلام هي أن تخضعَ لربّك لتُصبحَ أقوى من كلِّ قيد؛
فمن ملك الحريةَ التي لا تُخضِعُه لطاغوتٍ ما، لم يأبهْ بنازلة،
وسار مع الله في سبيله وطريقه، رغم العوائق والأشواك.
وإنَّ المصائب – ولو بدا ظاهرُها بلاءً – فإنَّ في باطنها رحمةً ونعمة،
بها تشتدُّ الأواصر، وتقوى الأركان، ويُصنع على عينِ الله جيلٌ همّام،
شامخٌ عالٍ كالجبال.
فصبرًا…










