أدنى خصال الإيمان

|

إن بقاء جذوة إنكار المنكر مشتعلة في قلبك -وإن كانت خافتة- خيرٌ لك من خمودها، وخيرٌ لك من التعايش مع المنكر حتى تألفه، أو تمرّ عليه وكأنك من أهله. فإن أول ما يُنزع من العبد عند الفتن ليس فقط العمل، بل الإحساس، وأول طريق الهلاك أن يضعف إنكار القلب.

قال رسول الله ﷺ:
«مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ».
فتأمّل -رحمك الله- كيف جعل النبي ﷺ إنكار القلب حدًّا فاصلًا بين الإيمان وعدمه، وكيف وصفه بأنه أضعف الإيمان، لا لأنه هين، بل لأنه آخر الحصون، فإذا سقط… فلا تسأل عمّا بعده.

فإذا رأيتَ منكرًا في واقع الناس أو في فضاء المواقع، فلا تكن بارد الشعور، ولا ميت القلب، بل أنكره بما تستطيع، وبالطريقة التي يرضاها الشرع، راجيًا أن يجعل الله على يديك هدايةً أو تذكيرًا، ولو لشخصٍ واحد.

فإن عجزت، أو غلب على ظنك أن الإنكار سيجر مفسدة أعظم، فإياك أن يسقط إنكار القلب؛ فليكن قلبك ممتلئًا ببغض المنكر، كارهًا له، غير راضٍ عنه، متبرئًا منه، عازمًا أنك لو قدرت لفعلت، فهذا الحد الأدنى الذي لا يُعذر المسلم في تركه.

وإنكار القلب ليس مجرّد شعورٍ نفسي أو نفورٍ عابر، بل هو عمل قلبيٌّ شرعيٌّ واجب، قال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾.

أما إذا خبا هذا الشعور في القلب، وتبلّد الإحساس، فإن المنكرات تمرّ على صاحبها تباعًا، فلا يضيق لها صدر، ولا يتحرك لها قلب، ولا تغلي لها غيرة. تنتهك محارم الله أمام عينيه فلا تغضبه، وكأن الأمر لا يعنيه.

وكيف لا، وقد صدق من قال: كثرةُ المساس تُميت الإحساس؟
فأولها تساهل، ثم اعتياد، ثم قبول، ثم دفاع… حتى يُقلب الميزان، ويُستوحش من الحق، ويُستأنس بالباطل.

وحين تتكرر المنكرات في اليوم والليلة، ويألفها القلب، ولا يتدارك العبد نفسه بتوبة صادقة، وخشية حقيقية، وتليينٍ لقلبه بالذكر والطاعة؛ فليخشَ على نفسه أن يُسلب منه قلبه السليم، وأن لا يعود كما كان، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن.

ومع هذا كلّه، فليس من الفقه ولا من الحكمة أن ينشغل المسلم بتتبع المنكرات، أو إعادة نشرها بحجة الإنكار أو التحذير، ولا أن يعلّق عليها أو يروّجها -ولو بنية صالحة-؛ فإن هذه الأفعال تدخل في أبواب نشر الفساد من حيث لا يشعر، وتُسهم في توسيع دائرته عبر خوارزميات الانتشار والتفاعل.

فليكن المسلم بصيرًا بدينه، فطنًا بواقعه، عارفًا بمقاصد الشريعة، يزن الأمور بميزان الشرع، ويقدّم المصلحة، ويدرأ المفسدة، ويحفظ قلبه قبل كل شيء؛ فإن سلامة القلب أصل، وإذا فسد القلب فسد ما بعده.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة