ليلة البارحة، كنتُ أتحدث مع أحدهم عن الالتزام والعبادة، عن معنى القرب من الله حينَ يَخفُت صوتَه ويَثقلُ وزنَه. قلتُ له: إن فلانًا رغمُ تقصيره يحاول، لا يزعم الكمال، ولا يدعي الوصول، لكنه يطرق الباب يقترب خطوة، ويتراجع أخرى، ويقوم بقلبٍ مكسورٍ يرجو.
أما صلته بالله، فذلك سِرٌ لا يطلعُ عليه أحد؛ سِرٌ بينَ عبدٍ وربه، لا تزنُه العيون ولا تحكمه الظواهر.
فقال لي كلماتٍ لم تمر عابرة، بل وَقَفَتْ كأنها يدٌ أمسكت بقلبي:
الإلتزام الحقيقي أن يصلي القلب لا الجسد، وأن يقترب القلب لا البدن،
أن تكون السجدات مغروسة في القلب قبل أن تمسّ الجبين.
ومنذ تلك اللحظة، وأنا واقفة على باب هذه الكلمات، لا أدخل ولا أنصرف.
أرددها كذكرٍ جديد: صلاة القلب!سجود القلب!
كيف يصلي القلب؟
وكيف يسجد وهو محجوب بالانشغال، مثقل بالضجيج، مشتت بين ألف فكرة وألف خوف؟
تذكرت حديث النبي ﷺ، حين دخل رجل المسجد فصلّى، ثم قيل له:
ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ.
لم يكن الخلل في عدد الركعات، ولا في ترتيب الحركات، ولا في صورة الصلاة التي اعتدناها، بل كان الخلل أعمق، كان في الطمأنينة، في حضور القلب حين يقف بين يدي الله، في السكون الذي يسبق الركوع، وفي السجود الذي لا يكون هروبًا من الدنيا، بل عودة إلى الله.
فهمستُ لنفسي، وأنا أراجع صلواتٍ كثيرة مرت عليّ:
كم مرة نصلي، ونحن في الحقيقة لا نصلي؟ نؤدي العبادة بأجسادنا، بينما قلوبنا غائبة، نقف بين يدي الله، وأفكارنا تتقافز بين همٍ ومهمة وذكرى،
حتى ننسى أحيانًا: في أي ركعة نحن؟ وماذا قلنا؟ ولمن وقفنا؟
ألم يحدث أن نخرج من الصلاة كما دخلنا؟ لا خفّة في الروح، ولا انكسارًا في القلب، ولا سكينة تشبه الوعد.
ألم تتحول بعض عباداتنا من حيث لا نشعر إلى عادات؟
نؤديها لنرتاح منها، لا لنرتاح بها.
كأننا ننجز واجبًا، لا نعيش لقاءً.
كأن الصلاة أصبحت فاصلاً زمنيًا، لا بابًا إلى السماء!
التف حبل التساؤلات حول عنقي، -لا يخنقني- لكنه لا يتركني أهرب،
وتسلل السؤال هامسًا خائفًا صادقًا، لا يطلب جوابًا بقدر ما يطلب صدقًا:
كم من صلاة صليناها، ولكننا لم نُصلِّها؟










