بنيّ، لَقد جئتني تبثُّني أمركَ لأطَمئِنَك.. فاعلم إذن أنَّكَ ما أتيتنِي إلاَّ على قَدر، و ما ساقَنِي اللَّه إليك إلا على قَدر، و لن أتَحدَّث، و أُسِرّ إليك إلاَّ بما أذِنَ الله لي أن أحدِّثكَ به، فأُدثِّرَ فؤادكَ به.. فأقبل و لا تخف.. فما ظنُّكَ باثنين الله ثالثُهما؟!
بنيّ، أذكِّركَ و نفسي بقولِ ربِّي: {وَ مَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} [البقرة:102]، ثم بقولِ رسولِ ربِّي ﷺ: (و لو اجتمعوا على أن يضرُّوكَ بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبَهُ اللَّه عليك) رواه الترمذي.
فإنَّني وجدت في حديثك لي عن أمرِكَ ما رقَّ له قلبِي و فاضَت له عيني!، فلم يَخفَ عليَّ سَعيكَ الحَثيث في أن تكون وقَّافا على الثُّغور التِّي تحبُّها، لأنَّ ربَّكَ الله يُحبُّها!، و لم يخفَ عليَّ ما لقيتَهُ من أذًى في سبيلِ إقامةِ أمرِ الله فيك، لكِنَّكَ صبرتَ و احتَسبت و أَشَحت بقلبك عن زينة الحياةِ الدنيا و زُخرفها و أَقمتَ وجهكَ للدِّين حنيفا، حتى أذِنَ الله لكَ بالفتح بعد صِدقٍ في إقبالكَ و طلبِك، فحقَّقتَ فيك قوله سبحانه و تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّه عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]. فَجاءتك البشرى { فَنَادَتْهُ الْمَلاَئكَةُ وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ} [ال عمران: 39]، فجعلَ سُبحانه و تعالى غناك في قلبك و جمع عليكَ شَملك و طيَّبَ لكَ ربُّكَ مأكلك و مشربكَ و ملبسك و منامك و امتلأ قلبك أنسا باللهِ أُنسا بالكونِ و الكائنات، فكنتَ أينما ولَّيتَ وَجهك سبَّحتَ بحمدِ ربِّك!
و إنَّكَ لازلتَ تخشَى أن يحول النَّاس بينَكَ و بينَ ما تُنشده من فلاحٍ في أمرِ دينك، و قَد حاجُّوك زَمنًا يريدون أن يضلُّوك، و يصدُّوكَ عن ذكرِ اللهِ، و عن ما أراك اللَّه من الحق، لكِنَّكَ تقف وقفة المتَذلِّل لربِّه المعتَزِّ بربِّه تخطُبُ فيهم: {وَ حَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فيِ اللهِ و َقَدْ هَدانِ وَ لَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ ربِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ* وَ كَيْفَ أخَافُ مآ أَشْرَكٍتُمْ وَ لَا تَخَافُونَ أنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنُتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ لَمْ يَلْبِسُوٓا إِيَمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُم مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 80-81-82]
فيوَلُّون الأدبار، صاغرين متعثِّرين في أذيالهم، فتحمدُ اللَّه أن صدَّهم عنكَ، لكنَّهم سرعان ما يرجعون إليك، و أنت لم تتنفَّس الصُّعداءَ بعد! فتَجدُكَ قابضاً على دينك كالقابض على الجَمرِ لا تُلقيه و لا ترخي قَبضتكَ عنه أبدا بل و لا تزداد به إلاَّ تمسُّكا، و إنَّ لِلجمر يا ولدي لَهيبًا قد يُحرِّقُك، و لكنَّه يحرِّقُ قلبكَ بلَظاه بَلهَ يدك!، و إن آلامه لشَديدة يا ولدي، فاصبر و اصطبر و ما صبركَ إلا بالله {وَ لاَ تَكُنْ فِي ضَيقٍ ممَّا يمكُرُون} [النحل: 127]
و تَفكَّر بنيَّ و ابصِر! ليس كلُّ لهيبٍ دلالةُ أذى، بل من اللَّهيبِ ما يُنضِج صاحِبه، لا يحرِقه بل يُنضِجُ فيهِ المعاني، فتكبُرُ ذَائقته و تَتفتَّح بصيرته، فيرى بعين قلبهِ ما لم يره قبل هذا!، و من اللَّهيبِ ما يحرِّق في النفس كلَّ شهوةٍ و شُبهَة و كلَّ خاطرةِ سوءٍ و وسوسةِ إنسٍ أو شيطانٍ رجيم، حتى يخلُصَ القلب للَّه وحده! فيجعل له ربُّه نوراً يمشي به في النَّاس، و يعلِّمه من تاويل الأحاديث و يجعل له فرقانا يفرُق به بين الحقِّ و الباطل و يَميزُ به بين الخبيث و الطيِّب، فلا تجده إلاَّ ساجدا بقلبه، خاضعا بجوارحه، منكسراً تعظيما لربِّه على عتباتِ العبوديَّة، فيتولاَّه ربُّه!
و من يتولاَّه اللَّه يا ولدي، فقد أمِن: {ألَآ إِنَّ أَولِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]. و من يتولاَّه اللَّه يا ولدي، يدافعُ عنه سبحانه (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) [1].
أو بعد هذا كلِّه من نعيم؟! بلى! (فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يُبصِر به، و يده التي يبطش بها و قدمه التي يمشي بها، و لئن سألني لأُعطينَّه، و لئنِ استعاذني لأعيذنَّه) [1]. اللَّه! نعيم و أيُّ نعيم! تُشَدُّ لمثلِه الرِّحال، ويُحتَملُ لبلوغِ شرفِه مشاقُّ الطريق وأهوالُه، وكلُّ ما يلقاه العبد في سبيل هجرته إلى اللَّه تعالى؛ فداءً لِلحظة فتحٍ و قبولٍ و رِضوان!
و إنَّك يا بنيَّ إن تَذُق ممَّا ذاقه العارفون الأوَّلون في هجرتهم و سيرهم إلى ربِّهم، لن ترضى إلاَّ أن تكون من المقبلين عليه جل جلاله و تقدَّست أسماؤه و حالُ قلبكَ: {وَ عَجِلتُ إليكَ ربِّ لِتَرضَى} [طه: 84].
فلا تجد ربَّكَ إلاَّ قريباً مجيباً: (و إن تقرَّبَ إليَّ بشبر تقرَّبتُ إليه ذراعا، و إن تقرَّبَ إليَّ ذراعا تقرَّبت إليهِ باعا، و إن أتاني يمشي أتيته هرولة) [2]. اللَّه أكبر! أيُّ عظيمِ فضلّ هذا ؟! فلا يملكُ القلب و الجوارحُ بعدَ تلقِّي هذه البشارة إلاَّ أن يخِرُّوا سُجَّداً، و بُكيَّا.
فهل شَهِدتَ معي، بُنَيَّ، جمال الابتلاء وهَيبتَه؟ وهل أبصرتَ معي انبثاق النورِ من اللهيب، وتفتُّقَ الألمِ عن ريحانةِ الأمل؟ وهل أبصرتَ معي قطوفَ الإيمانِ الدَّانيةَ من قلبِ صاحبها، وروضةَ صدرِه العامرة تغريدًا وتفريدًا وتسبيحًا وتحميدًا؟ و إنَّكَ لتجده كلَّما اكتوى بلهيب الابتلاء، تفوح منه رائحة العود و البخور، فلا تزداد نفسُه إلاَّ زَكاةً و طِيبًا.
“فاغتنم”، بنيَّ، فإنَّه إن يشإ اللهُ يجعل نار الابتلاء بردًا وسلامًا على صدرك، كبَردِ الجنَّةِ وسلامها. وإنَّها واللَّه لمراتِب سبقٍ وارتقاء {وما يُلَقَّاهآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فُصِّلت: 35]
لا عيشَ إلاَّ عيش الآخرة!
[1]؛ [2]: أحاديث قُدسيَّة










