إنّ علمانيةَ هذا العصر لم تكتفِ بالظهور المنمّق خلف المفهوم المتعارف عليه، بل تجاوز الأمر ذلك وتطوّر ليشمل ما هو أبعد؛ إذ أُلبست قناعًا خفيًّا ناعمًا، تحت مفاهيم الأدب واللغة والبلاغة والكتابة والتأليف. ومن هذا المنظور يُبشَّر بالعلمانية على نحوٍ سريعٍ ومخيف، متوارٍ عن أنظار النقّاد، وبأقلّ الخسائر، لينبت ذراعٌ آخر من أذرعها لا يستهين به ولا يقلّل من شأنه إلا ضعيف البصيرة، قصير النظر.
والمقصود بالعلمانية هنا: نزع المرجعية الدينية عن الخطاب الثقافي والأدبي، وتحويل اللغة إلى أداة “محايدة” تُفرَّغ من هويتها العقدية.، وهنا مكمن الخطر.
إنّ كثيرًا من الخطاب العلماني المعاصر يسعى إلى إقناع الناس بأنّ اللغة حكرٌ على أهل الأدب وحدهم، وبذلك تنسلخ اللغة العربية من رونقها العقدي، فتغدو أداةً بأيدي فئة مخصوصة؛ ولا تسل بعد ذلك عن عواقب هذا المسلك؛ من تغريب اللغة، ومزجها بما لا يناسب قدرها الذي شُرِّفت به، وهي لغة القرآن الكريم، وإدخال الغثّ والسمين فيها، على نحوٍ ينافي الدين، والعرف، والأخلاق، والمبادئ، والقيم، والآداب.
فترى بعض الأدباء يتحرّجون في كتاباتهم من قول: الله عز وجل، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابي رضي الله عنه، وفلان رحمه الله. وليس ذكر ذلك فرضًا عليهم ولا على غيرهم، لكنّهم يمتنعون خشية أن يُوصَفوا بالتديّن أو التشدّد.
مع أنّهم أنفسهم -أي العلمانيين- إذا أرادوا مناصرة “عالِم” علماني، انطلقت ألسنتهم بألوان المدح والثناء، بل قد يتجرّأ أحدهم فيختم مقاله -إن كان الممدوح ميتًا- بقوله: الإمام المجدّد رحمه الله!
فواعجبًا والله.
بل إنّك ترى، في المقابل، بعض أهل العلم يتجنّبون استعمال المصطلحات البلاغية والبيانية، لئلّا يُقال: عالمٌ يتكلم بلسان الأدباء! وكأنّ العلم الشرعي لا صلة له بالأدب والبيان، أو كأنّ البيان ترفٌ لا وظيفة له في خدمة الوحي!
وما المانع أن يكون الأديب عالمًا، وأن يكون العالم أديبًا؟ ولنا في علمائنا قدوة؛ فكثيرٌ منهم كان فقيهًا ينظم الشعر، وكثيرٌ منهم عني باللغة العربية عنايةً بالغة، كالإمام الشافعي رحمه الله، الذي جمع بين الفقه واللسان، والعلم والبيان.
فلماذا نُصِرَ على الفصل بين الأدب والعلم؟ وما المشكلة لو اجتمعا؟ بل هو خيرٌ على خير؛ فالعلم يُنقّي اللغة من شوائب الأفكار، واللغة تصوغ العلم وتُحسن عرضه وبيانه.
ولا غنى لطالب العلم عن اللغة، فهي الأداة لفهم العلم الشرعي وضبط معانيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّاۤ جَعَلْنَٰهُ قُرۡءَ ٰ نًا عَرَبِیࣰّا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾
قال عمر رضي الله عنه: “تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم”.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: “فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.
فكيف يُتصوَّر بعد هذا أن يُفصل بين العلم والأدب، أو تُنزَع اللغة من وظيفتها الشرعية، وهي من صميم الدين في الكتاب والسنة، وعند أئمة الإسلام؟
ومن واجب المثقف المسلم، وطالب العلم، والأديب الواعي، أن يستعيد اللغة بوصفها وعاءً للهوية لا أداةً محايدة، وأن يُعيد وصل ما قُطع بين البيان والإيمان.
ولينتهِ الاحتكار المتعمّد، ولتكن اللغةُ قرينةَ العلم، وليكن العلمُ قرينَ اللغة، ولا عزاء للعلمانيين.










