لنتأمل معًا صورتين مختلفتين ولنحاول أن نتلمس مكامن الفروق وأسبابها فيم بينهما:
الصورة الأولى: هي لكل من تتلمذ وتخرج من مدرسة النبي -صلى الله عليه وسلم- في كيفية علاقتهم مع القرآن، فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في الموقف الذي اتهم فيه من قِبَلِ رجلٍ بأنه لا يعدل بين الناس، ولسنا هنا بصدد التحدث عن شدة عدل الفاروق -رضي الله عنه- ومواقفه التي تُبرز ذلك، فلا ريب في أن يثير ذلك الاتهام غضبه، والغضب أمر يصعب التحكم فيه وخاصة في هكذا مواقف وهكذا ادعاءات كاذبة، فهمَّ بالرجل، فذُكِّرَ بقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]
هي آية جامعة لمكارم الأخلاق، تأمر بأخذ، فما كان منه إلا الانتهاء عن ذلك، -وكان وقَّافًا عند كتاب الله- أي أن ردة فعله تلك لم تظهر بموقفٍ واحدٍ ولا اثنين، إنما كانت هي صفةٌ مُلازمةٌ له.
ثم هاك موقف أبا بكر -رضي الله عنه- في حادثة الإفك، إذ كان لعائشة -رضي الله عنها- ابن خالة يسمى مسطح بن أثاثة -رضي الله عنه-، وكان فقيرًا ومن المهاجرين، فكان أبا بكر ينفق عليه لفقره ولصلة القرابة بينهم، فزلت قدمه في حادثة الإفك وخاض مع الخائضين في عرضها -رضي الله عنها وأرضاها-، فحين نزلت تبرئتها، حلف أبا بكر أنه لن ينفق على مسطح مرة أخرى، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة النور، الآية 22)،
فما كان منه إلا أن قال: “بلى والله، إني أحب أن يغفر لي”، وعاد ليعطي مسطح نفقته التي كان يعطيه إياها، وقال: “والله لا أنزعها منه أبدًا”.
ثم خذ موقف معقل بن يسار -رضي الله عنه- حينما زوج أخته لرجل وأعانه على تكاليف زواجه منها، ثم بعد مدة طلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم جاء يريد ارجاعها فأبى أن يرجعها له، لما بدر منه، فنزلت فيه الآية التي تقول: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}
فقال على فوره: “الآن أفعل يا رسول اللّه”، فسبحان الله ما هذا التسليم الذي يخرج منهم!
والكثير من النماذج والمواقف التي لا نستطيع أن نحصرها في هذا السياق.
فما السر وراء هذا الإذعان والاستسلام التام فور الأمر أو النهي يا ترى؟
وماذا بُنيَ في نفوسهم حتى أصبحوا يتلقون آيات القرآن بصدرٍ رحب ونفسٍ راضية؟
ربما إن أتينا بالصورة الأخرى وبسطنا مواقفها وحوداثها توصلنا إلى جذور الخلل ومكامنه.
فعندما يتأمل الناظر في حال أبناء وبنات المسلمين اليوم وخاصةً في علاقتهم مع الوحي سيجد حالةً من النفور وعدم الخضوع مقارنةً مع الأجيال السابقة، فيعلم بنظره الفاحص أن هناك أمرًا خاطئًا قد حدث في تنشئتهم فأدى إلى تلك الفجوة ولا ريب، فيرجع بخطواته إلى الوراء إلى مدرسة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي رُبيَ بها المسلمين آنذاك، ويقلِّبُ ناظريه في طريقة الإعطاء وطريقة التلقي.
يا تَرى، كيف كانوا يستقون الوحي، وما السرُّ وراء إذعانهم واستسلامهم لقال الله وقال رسوله؟
كيف تشربت قلوبهم كل هذا التعظيم والانقياد؟
وإذ به يكتشف السر العظيم، ألا وهو: بناء الإيمان قبل القرآن.
وربما يتساءل القارئ الآن، ولكن ما شأننا بهذا البناء وما صلته بموضوعنا؟
فدعني أقرب لك الأمر بمثال بسيط تتضح من خلاله الصورة:
لو أنه كان لدينا أرضًا معجونةً بالطين والأوساخ، وأتينا لنغرس فيها الزرع، فهل برأيك سيتجذر هذا الغرس ويشتد عوده ويثمر بهذه الأرض يا ترى؟
وإن نبت فهل سيكون كنباتٍ آخر في أرض نظيفةٍ أخرى؟
الجواب قطعًا سيكون لا.
لا نستطيع المساواة بين الغرسين، فإن نظفنا الأرض مما يشوبها وقلبناها جيدًا وحرثناها ستكون صالحةً جاهزةً للزراعة ومثل ذلك قلب المسلم، يجب أن يُنظفَ من أمراضه وتُجتثُّ منه الجذور الفاسدة ثم تُغرَسُ به بذور الإيمان، فتُسقى حينها من أنهار الوحي وتنمو بنفسٍ راضيةٍ مُذعِنة، وهذا بالضبط ما كان يفعله نبينا -صلوات ربي وسلامه عليه-، ففي حديث جندب بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: “كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان حزاورة -أي ما قبل بلوغهم- فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا”
وهذا الحديث الذي سينقلنا لسؤالٍ آخر و فروقاتٍ أُخرى كُوَّنت هذا الحاجز بين الوحي وأبناء المسلمين.
ما هو الإيمان الذي بُني في نفوسهم، وكيف كانت صوره وتطبيقاته؟
وإن لم يُبنى في نفوس أطفالنا الإيمان فماذا قد حلَّ بدلًا عنه؟
ببساطةٍ وإيجاز، الإيمان: هو كل ما لا يُخالف أوامر القرآن ونواهيه، ألا يُبنى في نفوسهم ما يتصادم مع القرآن.
فمثلًا نحن عندما ننمي في طفلنا حب النجاح في الدنيا والتميز والتنافس فيها بشكل مبالغ فيه لا متوازن.
كيف نتوقع ردة فعله عند استقباله لنصوص مركزية الآخرة والعمل لها وأنها خير وأبقى وأن الدنيا دار ممر لا استقرار.
فنحن بهذه الطريقة ندفعه دفعًا للمصادمة مع نصوص الوحي، فالأمر أصبح بعكس ما هو مطلوب، إذ يبنى فيه الكفران لا الإيمان ثم نشتكي عدم خضوعه لأحكام الشارع.
ولنأخذ مثالًا آخر:
تربى الفتاة المسلمة منذ نعومة أظفارها على عدم الحياء، وعدم ضرورة الحشمة بحجة صغر سنها، ولا تُوضع لها الحدود في طريقة تعاملاتها مع الجنس الآخر، ولا يذكر على مسامعها أي شيءٍ من أوامر غض البصر، وعدم الخضوع بالقول أمام الرجال، ثم بفترة معينة من عمرها يطلب منها خلاف ما أنشئت عليه تمامًا.
فمرةً أخرى ماذا نتوقع أن تكون ردة فعلها؟
ويربى أطفالنا أيضا على أن ذوي المناصب هم من بأيديهم الأمر كله، وأن طاعتهم هي التي تجلب النفع، ومخالفتهم تجلب الضر.
فبالله عليكم ما مقدار التناقض الذي سيشعرون به حينما تردد على مسامعهم النصوص التي تقول بأن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحدث أمر لا في الأرض ولا في السماء إلا بعلم وإرادة منه سبحانه؟
فإن هذه القضية قضية خطيرة جدًا ولا يُستهان بها، ويتوجب على المربين أن يدركوا مآلاتها كي يضبطوها أثناء تربيتهم
فمن ربى أطفاله على خلاف ما في القرآن، فإنه يُهيؤه لأن يكون في المستقبل معرضًا عن الشريعة تاركًا لأوامرها ونواهيها، أو أن يؤول الآيات والأحاديث بميل هواه، ورغباته التي رُبي عليها.










