من خيرِ ما جاءَ به الإنترنت في آخر الآونة هو البودكاست، فقد أتاحَ لشريحةٍ كبيرةٍ من النّاس التثقف وقضاء الوقت بما هو نافع في أمورِ الدّينِ والدّنيا، وقد قرّب كثيرين من ديِنهم وحسّن معارفهم وأدّبهم في مواضيعَ كثيرةٍ؛ كالعلاقة بالله والنّفس والآخرين، والتّربية والتّغذية والصّحة، وغير ذاك الكثير.
وكثير ما نستمع لبودكاست بمواضيعَ مختلفةٍ، وننصحُ بسماعِها بعد أن نرى نفعها وأهميةَ الموضوع الذي تطرحه، ونرى ذاك أفضل من أن تُترك الأوقات ضائعة لا في أمر دين ولا دنيا، وأفضل من جحيم الجهل واللّهو الفارغ.
ومع ما في البودكاست من فوائد، وما يملؤه من فراغ؛ فإنّ كثيراً ممن يتابعونها يقعون في فخٍ عظيم، فخُ وَهم العلم وتضخُّم المعرفة وتشبيع النّفس بما ليس فيها. فترى الواحدُ يُكثر من مشاهدةِ البودكاست في مواضيع مختلفة، يجمعُ معلوماتٍ عابرة، ويتعالم ويختلف ويطرح مواضيعَ وكأنّه خبيرٌ عليم، متشبِّعٌ بكا لم يعطه، مختالٌ واهم.
وما يحقّ ويتوجّب ذكره هو إنّ البودكاست ليس مصدرًا للعلم. يعطيك البودكاست ثقافة موجهة عن الموضوع الذي يطرح فيه، ولا يعطيك علمًا. يعطيك الملقي رأيه وتوجهه، أو ما يتبناه من طرح، أو ما يتبعه من قول فقهيّ، يعطيك إيّاه جاهزًا ولا يفصّل لك ويتوسّع؛ فأنت بذاك كسبت ثقافةً عامة عن الموضوع ولم تكسب علمًا.
حتى وإن شاهدتَ مائة بودكاست عن الخلافِ الفقهيّ؛ أنت لم تتلقَ علمًا فيه ولا يمكنك أن تسمّيَ نفسك طالبَ علمٍ شرعيّ، ولا تملك حقّ ترجيح قول على قول، ولا أن تنافح في مواقع التّواصل -أو في الواقع- عن رأيٍّ ما، فأنت لا تملك علمًا ولا أدواتٍ ولا تعرف أدلةَ كلّ قولٍ ولا صحة الأدلة ولا مقصودها وغيرَ ذلك مما يقوّي القول الفقهيّ ويرجحه. نعم، لديك بعضُ الثقافةِ عن الأمر، سمعتَ الأقوال؛ لكن لا تتناحر وتضع نفسك في مكان ليس لك، ستُغرق نفسَك من حيثُ لا تحتسب وتحمّلها وبالًا.
وحتى وإن تابعت مائة بودكاست عن التّربية؛ أنت لم تتلقَ علمًا في التّربية، ولم تصبح خبيرًا تربويًّا. لا يحقّ لك أن توجّه النّصائحَ التربويّة، ولا أن تعطي فلانًا وفلانة توجيهات عن مشاكلِ أبنائهم وحلولًا وغيرَ ذاك؛ قد تُغرقهم من حيثُ لا تحتسب؛ لأنّ الأمرَ ليس ببودكاست ولا بثقافة عامة. وعلى مختلف المواضيع الأخرى قِسْ.
من رامَ العلمَ؛ فليطرق باب العلماءِ والخبراء، وليتنحَ عن بابِ الجدال والمراء والتّعالم والرّياء، وليلزم هديَ الأوائلِ في طلب العلم وفي كيفيةِ نقلِه وإفادة النّاسِ فيه بلا تعالمٍ وبلا أن يصبحَ وبالًا على صاحبه وعلى غيره.
ونهايةً، البودكاست فيه خير جمّ، ولا يفهم القارئ أنّنا نهاجمُه؛ بل بالعكس ذكرنا نصحنا به وأنّه خيرٌ من العدم؛ لكن بوضعِه وفائدتِه في الموضعِ المناسب. والله من وراءِ القصد.










