تنادي بضرورة الإيمان بالذات، والتطوّر، والتثقّف، والتميّز، والحريّة، وهي عينُها لم تتقبّل خِلقتها، ما وثقت بملامحها، ومقتت شكلها.
فإذا بأغلال معايير الإعلام والدعايات والدراما في عنقها، تسحبها إلى مشرط الطبيب وإبرته، خانعةً لما يريده السوق، معلّقةً قيمتها فيه، مكترثةً متأثّرةً بكلام الصغير والكبير، والقريب والبعيد، مترقّبةً فُرص عمل وزواج تُفتح له.
فها هي تسلّم فمها للطبيب، تطلب حقنةً تنفخه وتفعمه -عجبًا- أوليست ذاتها التي تقول: أنا ألبس وأتجمّل لنفسي لا للرجال؟
فما مُلئت الشفاه إلا للإغراء، وما احتُملت الآلام إلا لجذب الأنظار.
ثمّ يرتفع السقف فورًا، ترى أنفها بحاجة إلى تعديل، فالخدود، فالفك، فالعيون، حتى آل الوجه جامدًا بلا حياة، فاقدًا لغته، وإشاراته، وخطوطه الطبيعيّة.
ولم تبرح حتى عكفت على جسدها: تكبّر وتصغّر، تبرز وتضمر، تنحت وتورّد.
ولم تمنحها العمليّات ثقةً ولا رضا ولا جوهرًا، فالتجميل لا يحلّ أزمة عدم القبول، ولا يملأ الفراغ الداخلي أبدًا، بل يزيدها حساسيّةً لنظرة الآخرين، تضخّم كل نقد، وترى هيئتها مشاريع لا تنتهي، تبحث عن العيوب لتعديلها، متيّمةً بإجراءات جديدة.
وعلاوةً على ذلك، يسلبها التجميل الأمان، فهي قلِقة دائمًا من ذوبان المادّة وزوال المفعول، متخوّفة بلا مرسى.
هذا فضلًا عن انسلاخها الإيماني، مطيعةً للشيطان، متمثّلةً لأوامره، قال تعالى: ﴿ولآمرنّهم فليغيّرنّ خلق الله﴾
فلم تلقَ مما زيّنه لها سوى السراب، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا، وكان الشيطان للإنسان خذولًا.
فلا تُحدّثنا من تخضع لعمليّات التجميل عن التميّز، وهي نسخة مستنسخة مكرّرة، قتلت كلّ تفرّد فيها.
ولا تكلّمنا عن الثقافة والانفتاح والتطوّر، وهي سطحيّة ماديّة إلى هذا الحد، تغلّب معايير مؤقّتة قائمة على شفا جرفٍ هار.
ولتبتعد الخبزة الهشّة، والعصفورة المهيضة الجناح، عن الحديث عن الثقة؛ فبينها وبينه أمدٌ بعيد.
وكيف لمن وجهها شهادة حيّة على العبوديّة الحديثة أن تخاطبنا بالتحرّر والانعتاق؟
أخيرًا:
إلى التي لم تعبث بخلقة ربّها، وصانت طبيعتها من التواءات السوق، متيقّنةً أن الله خلقها في أحسن تقويم، مؤمنةً بالعطاء والمنع، والبسط والقبض، ممتلئةً بالإيمان والرضوان، منشغلةً بالمعالي، ذات همّة سماويّة، وقناعة صادقة، وعزّة نفس، جمّلت جوهرها بالأخلاق والعلم والأدب، واعتنت بظاهرها بكلّ ما أباحته الشريعة، دون مساس بخلق الله.
تعلم -بوعي لا بسذاجة- أن كل تدخّل تجميلي خارجي يحمل مخاطر طبيّة حقيقيّة: من التهابات بكتيريّة، وتليّف أنسجة، وتحسّس وترهّل، وتكتّلات وتشوهات تحت الجلد، وسقوط الجفن أو الحاجب، وشلل جزئي غير مرغوب، وصداع وآلام عصبيّة مزمنة.
وتدرك كذبة «الطبيب المضمون»؛ فحتى لو كان الطبيب ماهرًا، والمادّة أصليّة، والتقنيّة صحيحة، تبقى عوامل خارج السيطرة: سماكة الجلد، مرونة الأنسجة، توزيع الأوعية الدمويّة، سرعة الالتئام، استجابة المناعة، وتفاعل الجسد مع المادة، فالضمان تسويقي لا طبّي، وهمٌ مريح لا حقيقة.
فالجسد ليس صفحة بيضاء، بل نظام حيّ متكامل، كل إبرة فيه تُحدث ما بعدها، ومن وعى الخطر، زهد في الاقتراب.
ثبّتكِ الله، وجمّلكِ بالرضا والتقوى، وجعل لكِ في قلوب عباده الودّ والقبول، نِعمّا ما أنتِ عليه وربّي، فطوبى لك.










