معن آسر، يخطف القلب فيزيد حبًا ويقينًا وولاءً للإسلام العظيم؛ وهل يوجد بعظمة الإسلام، وهل يوجد برحمة وكرم الخالق -سبحانه وتعالى-؟
هل يوجد من يكافئ على العصيان والذنب والخطأ إلا خالقنا الكريم المنعم، البر الرحيم، سبحانه؟
سبحانك ربي وبحمدك تقدس اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
قد تظن أنك قرأت خطأ، فكيف يجازي الله عزوجل على الذنوب؟
تلك هي بركة التوبة الصادقة الخالصة لله -عز وجل-، أن يقطع المسلم الوعد الصادق مع الله -عز وجل- ألا يعود.
أن يعرف قدر ربه -عز وجل- الذي عصاه فيعود نادمًا منكسرًا، مخبتًا صادقًا لله -عز وجل-، يحسن الظن بربه -سبحانه وتعالى- من بيده ملكوت كل شيء، الرحمن الرحيم سبحانه، الغني عن العباد وعن العبادة.
وحين يعرف قدر ربه يدرك جيدًا قدر نفسه أنه الفقير المحتاج لربه -عز وجل- أن يهديه ويعصمه ويغفر له ويرزقه.
فيزيد من أعماله الصالحة وطاعته ليمحو بها أثر الذنب تمامًا.
فهذا المحب؛ يسترضي محبوبه بأقصى طاقته وصدق فِعاله.
حينها تتجلى أركان التوبة صادقة نصوح في قلبه.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا* إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾
(الفرقان: 68-70).
قال الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم): “إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته وجعلها نصب عينيه، فكلما ذكرها ازداد خوفًا ووجلًا وحياءً من الله ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة”.
كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (الفرقان: 70).
وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح، ومن كانت هذه حاله فإنه يتجرع من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعاف ما ذاق من حلاوتها عند فعلها، ويصير كل ذنب من ذنوبه سببًا لأعمال صالحة ماحية له، فلا يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات، وقد وردت أحاديث صحيحة صريحة في أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه تبدلت سيئاته في الشرك حسنات، فخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبي فروة شطب أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: “أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: أسلمت؟ قال: نعم. قال: فافعل الخيرات واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها. قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم. قال: فما زال يكبر حتى توارى”. انتهى.
يا لعظمة هذا الدين، ويا لقربه من القلب والنفس والروح، الخالق الذي خلق الإنسان بيديه سبحانه ونفخ فيه من روحه، يعلم ما يصلحه ويصلح قلبه ويواسي جراحه، يعلم ما يتخلل ذلك القلب فيجعله يسقط خاشعًا لمولاه حبًا وقربًا وسعادة أنه عبد لرب رؤوف رحيم منان منعم كريم وهاب سبحانه وتعالى.
في الصحيحين روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عَنِ النبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-، فِيما يَحْكِي عن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قالَ: “أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فأذْنَبَ، فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فأذْنَبَ فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، اعْمَلْ ما شِئْتَ فقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، قالَ عبدُ الأعْلَى: لا أَدْرِي أَقالَ في الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: اعْمَلْ ما شِئْتَ”.
هنا تتجلى بركة التوبة الصادقة وأثرها، وهنا يُعرف الصادق المخلص الذي يعد ذنوبه لحرصه على عدم الوقوع فيه، وكلما زل وعصى؛ عاد تائبًا نادمًا عازمًا على عدم العودة أبدًا.
وربنا عز وجل كريم رحيم ودود، لا يمل حتى نمل، لا يمل من المغفرة لنا كلما هممنا بالتوبة الصادقة.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه : أن رجلا جاء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «يا رسول الله، أحدنا يذنب، قال: “يكتب عليه”، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: ” يغفر له ويتاب عليه”، قال: فيعود فيذنب، قال: “فيكتب عليه”، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: “يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا”». رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن.
فالحمد لله الودود البر الرحيم والحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.










