مناجاة قلبٍ كسيرٍ مُحِبّ!

|

إنَّ من أعظم مفاتيح استجابة الدعاء المناجاة، مناجاة اللَّهِ ربِّ العالمين.
أن تناجي ربَّك بقلبِك، أن تدخل لمحراب الدعاء كالطفل الصغير البريء، الذي يجهشُ بكاءً وقد آوى إلى كنفِ ربِّه؛ يبُثُّهُ حزنَه وخَوفهُ، ويَسألُه بعَفويَّةٍ كلَّ صغيرة وكبيرة، وهو يعدُّها على أطرافِ أصابعه عدًّا، ولكن مع استحضار عظمة الملِك الذي تطلبُ منه مسألتك.

أن ينكسِرَ قلبك على عتباتِ العبوديَّة لله، فقد جَاءَ عن العلماء الربَّانيِّين: (ما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور، وما أدنى النَّصر والرحمة والرِّزق من هذا العبد الذي أذلَّ نفسه لربِّه، وأحبُّ القلوب إلى اللَّه قلبٌ تمكَّنَ منه الانكسار وملكته الذِّلَّة). هو قلب كَسيرٌ نعم! لكنه يتفجَّر ينابيع وأنهارا تَفِيض على آنِية قلبِ العبد، فتُحيِيهِ بحبِّ اللَّه والأنسِ باللَّه والظَّنِ الجميلِ في اللَّه. يقول أبو إسحاق الحويني رحمه اللَّه: (كلما خلا المرء بنفسه، وبذل نفسه لربه، لا يعود كسيرا أبدا، ولا يعود خاسئا أبدا، لابد أن يرجع بخير).

أن تتجرَّدَ من حولكَ وقوَّتكَ فتنادي ربَّكَ تضرُّعا وخفية: ” اللَّهم أنتَ أنتَ وأنا أنا! ” أنت الربُّ الأعلى سبحانك وأنا العبد الأدنى!..

واستحضِر في قلبكَ أيها العبد السَّالكُ إلى ربِّهِ ذُلُلا، أنَّ خزائِن السَّماوات والأرض ومفاتيحها كلُّها بيد الله، ولا تستعظم أمنيةً أو دعاءً، أبداً.
إنَّه اللَّه ربُّك، أقامَ السماوات بغيرِ عمَد، ولا يعجزه أن يقيم قلبك. { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [ الروم: 19]. لا تخفى عليه خافية، والسِّرُ عنده علانية، (وَ يَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام: 59]. وما تَسقط من دمعةٍ إلا يعلمها، وما ينحبِسُ في صدركَ من كلمةٍ وآهٍ وأنَّةٍ إلاَّ يَعلمها، وإنَّه لَأعلَمُ بِحالِكَ منكَ!

أن تكون المناجاة دأبَكَ وحالاً تحيَا بِه، ووصلا دائما باللَّه الأقرب إليكَ من حبلِ الوريد في عسرِكَ ويُسرِك، في سكناتك وحركاتك، في خلواتِك وجلاوتك، في حِلِّكَ وترحالِك.
أن تناجي ربَّكِ، لا يستوجب بالضرورة حركة اللِّسان، بل حركَةَ القلبِ وخشوع الجنان.

وإنَّكَ يا عبدَ اللَّهِ سَتجد في هذا المسلكِ عَجبًا وأنسًا وملاذًا! وإن أُجِّلت لَك الاستجابة في أمرٍ أو أمورِ يحبُّها قلبك، سيؤتيكَ الله بأعظم مما تحبُّ يقينا في اللَّه، سيمنُّ عليك ممَّا يحبُّ لكَ هو سبحانه، فيرضيكَ في أمرهِ واختياره، ويرزقكَ حُبَّ محابِّه جميعها وأقدارِه، ثم إذا شاء سبحانه سيأتيك من كل ما سَألتَه من خَيرَي الدُّنيا والآخرة: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف: 83]

وتذكَّر أنَّكَ على عينِ اللَّه، وعبدٌ للَّه، ولن يضيِّعَك اللَّه، ثمَّ تفكَّر في وصية رسول الله ﷺ: ( إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك). وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية رحمه الله: (مُخالفة الهوى تُقيم العبد في مقام مَن لو أقسم على الله لأبرّه فيقضي له مِن الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته مِن هواه). فأَقبِل على ربِّك {وتبتَّل إليهِ تبتيلا} [المزمِّل: 8].

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة